غُرابيون

الجُزء الثاني.

إن لم تقرأ الجزء الأول فيُمكنك الضغط على هذا السطر لقراءته.

أصدقاء يمشون سويًا

هجوم الصف التاسع

“عقارب الساعة لا ترحم، ثلاثةُ أيامٍ تفصلنا عن الانتخابات”، هذا ما بدء به نورالدين حديثه مع أصدقائه.

مالك: “لماذا لا تحسب الجمعة والسبت؟ التصويت يوم الأحد القادم”.

نورالدين: “لأننا لا نعمل في هذين اليومين، لذا ثلاثة أيام من العمل والأحد التصويت”.

محمد: “انظروا هنالك طاولة مخفية في يد الكرسي!”.

تجمع الأصدقاء حوله فإذا بطاولة قابلة للطي يمكن سحبها من اليد اليمنى للكرسي، كانت الطاولة منقوش عليها رسمة غريبة.

فيصل: ” أليس هذا غُرابًا يقف على رجليه، طويل، ولديه يدي عجل!”.

يوسف: “أظن أن أحدهم يُحب قصص الرعب والرسومات الغريبة”.

نورالدين: “دعنا من هذه المُشتتات، فلنركز في عملنا”.

عاد الجميع للعمل، منهم من يكتب ومنهم من يرسم، بينما كان نورالدين يُعَدل أسلوبهُ في الحديث على يد يوسف. مرّت دقائق من العمل الجاد، حتى أطلت ثلاث وجوه عكرت صفو الأجواء. ظهر ثلاث طلاب طِوال القامة، مُبعثري الشعر، مُجعدي الملابس، ولا نية للخير في سيماهم.

تكلم أوسطهم بطريقة عَصبية مُتنمرة: “ماذا يفعل الأطفال في منطقتنا؟ انظروا لهم فرشوا الأرض بساطًا حتى لا تلمس الأرض المُتسخة ملابسهم الثمينة”، قهقه الأثنان غصبًا، فعاد الأوسط للكلام مُقتربًا من محمد: “وانظروا لقد تجرأوا على الجلوس مكان غُرابيون، يظنون أنهم أقوياء”.

استقام مالك من جلسته ليواجه أحد الفتيان قائلًا: ” تذكرتك، أنت من أخبرني عن غُرابيون، فتحي الليفي أليس كذلك؟”.

تقدم فتحي مُحاولًا أن يُرعب مالك بشدة قربه من وجهه، لكن مالك فاجأه بقوله: “أنفاسك تُغيم نظارتي، أيُمكنك الابتعاد قليلًا”، مما دفع فتحي للانصياع لأوامره بغير تردد.

تقدم الأوسط مرة أخرى لكن نحو مالك وسحب نظارته بعنف من على وجهه راميًا إياها على الأرض، لم يتوقف هنا بل قرر الدوس عليها! وقف نورالدين وقبل أن يُفكر في خطوته القادمة، دفع الأوسط بقوة أسقطتهُ على الأرض، وقف جميع الأصدقاء مصدومين ومحدقين في صديقهم الذي تحول للون الأحمر. كانت نظرات الفتى المرمي أرضًا لا تبشر بالخير أبدًا، عيناهُ جحظتا، وفتحات انفه توسعتا لتكفي تُفاحة عبرهما، صرخ الفتى بكل قوته: “أمجنون أنت، أتعلم من أنا؟ عمار النمر، أتعرف من يكون أبي! ستكون نهايتك عليّ!”.

ابتسم نورالدين بسخرية قبل أن تتكلم عاطفته قبل عقله: “خُفت حقًا، انظر انا ارتجف في وسط آب”.

صرخ عمار: “امسكاه!”.

تحركت الدميتان الطوليتان ممسكين بنور الدين، لكن اصدقاءه كانوا بالمرصاد، فمنهم من ضرب فتحي خلف ركبتيه فسقط كورقة شجر، أما مُحمد فوقف على كُرسيه ليُحكم قبضته على شعر الآخر.

اعتدل عمار مُنطلقًا نحو نورالدين ليلكمه بكل قوته في بطنه، ليسقط أرضًا ممسكًا بها، حاول محمد نقل هجومه نحو عمار لكن فتحي اسقطه ارضًا من فوق الكرسي، صرخ فتحي: “زياد انتبه من الاعمى!” التفت زياد ليرى مالكًا يجري نحوه، بسرعة بِلا دِقة، وبسلاحه الوحيد (القلم)، ليبتعد عن مساره فيسقط أرضًا مؤذيًا نفسه، نظر فيصل نحو يوسف وأرسل له إشارة بسحب البساط من تحت اقدامهم، لكن لم يكن في حسبانهما الاوزان المتجمعة فوقه؛ لذا نالا من الضرب ما نالهُ اصدقائهما.

 الأصدقاء الخمسة مرميون ككومة من الورق المجعد بعضهم فوق البعض لم ينقذهم إلا صوت الجرس، وخصوصية المكان بعيدًا عن أعين المُعلمين لم تكن حسنة كما اعتقدوا، ضحك الثلاثة على حالهم ورمى عمار عدة كلمات قبل أن يذهب: “فلتكون عقولكم في أماكنها وستعرفون خلاصكم، غدًا أُريدُ نزوحًا كاملًا من هذه المنطقة.

رحل الثلاثة ورحلت معهم كرامة الأصدقاء، حاول الجميع الوقوف مُتناسين ما حصل، مع نسيانهم الفعلي للحصة الرابعة. مسح فيصل بعضًا من الدماء التي غطت شفتيه من انفه وقال: “كيف نُهزم ونحن عِصبة؟”

حاول نورالدين الوقوف رغم ألم بطنه ونازع الألم الذي يمنعهُ من التنفس ليقول: “لأننا ضُعفاء”.

طأطأ الجميع رؤوسهم.

قاطع يُوسف حفلة الأسى: “ابتدأت الحصة منذ عشرة دقائق على الأقل، ومالك لا يمكنه الرؤية جيدًا فلنذهب للمعلم ياسر”.

قاطعه فيصل الذي جمع بقايا نظارة مالك قائلًا: “فلنذهب للمدير مباشرةً، الموضوع لا يَحتمل انتظار الإجراءات، فلنذهب للرأس الكبيرة مباشرةً”.

قرر الأصدقاء أنْ يذهبوا للمدير بإصاباتهم ومشاعرهم المكسورة، تاركين الحصص التي لن تُعينهم على ترميم الجراح التي أصابتهم. انتظروا قليلًا في الردهة حيث أمرهم السكرتير بالجلوس حتى يستأذن من المدير بإدخالهم. اتفق الأصدقاء بأن يكون يوسف هو المتحدث الرسمي كونه الأقوى عاطفيًا والأكثر اتزانًا، عاد السكرتير ليقودهم الى غرفة المدير، فتأملوا النصر على يد المُدير، كونهم سيُعاد لهم حقهم واعتبارهم.

دخل الأصدقاء الغرفة الكبيرة المعطرة برائحة الصندل، المُسورة بعدة رفوف خشبية عتيقة، عليها من الجوائز والكُتب ما لا يُمكن احصائه بنظرة واحدة، ويتوسط هذه الغرفة مكتب كبير خلفه نافذة تمتد للأرض وكأنها ” كاميرا” مراقبة عملاقة للمدرسة بأكملها، بادر فيصل بالحديث شارحًا ما حصل:

“أستاذ حامد، كُنت انا وأصدقائي جالسين في أمان الله، لا نزعج احدًا، خلف مبنى الإدارة، نعمل على مشروع للفصل، عندها هاجمنا ثلاثة أولاد هم عمار النمر، فتحي الليفي والأخير زياد، لا نعرف أسمه الأخير، ضربونا وكسروا نظارة صديقنا، وفوق هذا كله هددونا بإن إذ ما عدنا لمكاننا سيقومون بأسوأ مما قاموا به اليوم!

تحمحم المدير قبل أن يبدأ بالقول: “أولًا يا بُني أنا مديرك ولستُ استاذك في الفصل، ثانيًا ألهذا تركتم حصتكم؟ لتشتكوا من شجار مدرسي بين الفتيان، هذا هو الطبيعي يا بُني، هذهِ ليست المرحلة الابتدائية، حيثُ كلما جرحتم رُكبكم ركضتم باكيين لأجل علاجها، وما يُدريني أنكم لم تبدأوا الشجار ولو بنظرة؟

نظر الأصدقاء الى بعضهم البعض ليتأكدوا أنهم كانوا جميعًا قد سمعوا نفس الكلام، عاد نورالدين للونه الأحمر وصرخ بصوت مكتوم: “هذا ليس شجارًا على مباراة كرة قدم في الساحة! لقد تنمروا علينا بغير حق ، وهذه ليست غابة، أتطلب منا أن نأخذ حقنا بأيدينا؟ وماذا إن كُنا لا نستطيع، أنُعين حراسًا شخصيين!

وقف المدير ضاربًا يدهُ بِعنف على الطاولة ومشيرًا بيده الأخرى نحو الباب: “ما هذه الاخلاق! أ تصرخ على من هم أكبر سنًا؟ ألم تتربى في منزلك، وما هذا الأسلوب المخزي، حراس شخصيين، أخرجوا جميعًا! صرخ المُدير بعدها على مُساعده ليدون أسماء الأصدقاء حتى يوقعهم على تعهدات ويرسل رسائل تهذيب لأباءهم.

بينما كان مساعد المدير يكتب التعهدات ويدون الأسماء ضحك بسخرية همس قائلًا: “بماذا كنتم تفكرون؟” كاد نورالدين أن يرد لكن مالك سبقه: “لماذا تقول هذا؟” تفاجأ المساعد واكتفى بالإشارة إلى مكتب المُدير، نظر الأصدقاء فلم يفهموا، عندها أغمض نورالدين عينيه وتنهد، اللوحة التي تحمل أسم المُدير (المُدير حامد النمر).

كانت تلك المعلومة أصعب عليهم من الضرب نفسه.

غادر الأصدقاء يجرون أذيال الخيبة، مُتوجهين الى الصف، ملاذهم الأخير، وصلوا مع رنين جرس الحصة السادسة؛ لقد فوتوا حصتين مما أدى لورقتي تعهد أخريين، ليُمسي مجموعهم ثلاثًا في يوم واحد. كانت حصة الكيمياء قد بدأت للتو، عناصر أولية قد تكون ضعيفة وتحتاج لعناصر أخرى لتُصبح أقوى، لكن ماذا لو كوّنوا مُركبًا وظل ضعيفًا كما هو؟ حتى في الكيمياء لا عدل! قد يكون المُركب مليئًا بالعناصر، ولا يزال فقط بنصف قوة عنصر وحيد. مرّت الحصة وكان الأصدقاء كطاولاتهم؛ جمادات. رن جرس الحصة الأخيرة وكانت حصة المعلم ياسر، كأن الامل دخل معه من جديد، أنار وجه فيصل، فلفت انتباه أصدقائه قائلًا: “إنه أملُنا الأخير، نظر الآخرون إلى بعضهم البعض مؤيدين كلام فيصل، فماذا سيخسرون أكثر من ذلك، قال نورالدين: “موعدنا معه بعد الحصة مباشرة إن شاء الله”.

انتهت الحصة قبل رنين الجرس، لكنهم انتظروه حتى يفرغ الصف، فيخلوا المكان لهم، مرّت عدة دقائق فرن الجرس، واختفى الطلاب بطرفة عين، لكن المعلم استغرب بقاء مجموعة واحدة فبادر بسؤالهم: “هل تنتظرون شيئًا ما؟” فوقف نورالدين ليحاور مُعلمه:

“انظر لحالنا معلمي العزيز، مالك من غير نظارته، فيصل أصبح بأنف ازرق، مُحمد تغير لون بناطله للأحمر، وأنا ويوسف لم يبقى شيء في معدتنا من إفطار اليوم!”.

حدق المعلم في طلابه فتفاجأ كيف انه لم ينتبه طوال الحصة.

المعلم: “من فعل بكم هذا؟”.

وقف فيصل بردة فعل سريعة: “عمار النمر، فتحي الليفي، زياد بلا اسم أخير!”.

المُعلم: “الثلاثي الراسب إذًا، هؤلاء الثلاثة أعادوا السنة الأخيرة لذا أظن انهم اختاروا طريق الرعونة”.

نورالدين: “المُدير رمى بنا خارجًا، وفوق هذا كله، أصبحنا نحن المخطئين وأبنه هو المصيب!”.

مالك: “مُعلمي، كيف يكون المدير حامد ناجحًا وابنه راسب؟”

المعلم: “”كنت مع المدير حامد في الصف ذاته منذ الإعدادية وحتى التخرج من الثانوية، بالكاد نجح في كل سنة. افترقنا في الجامعة فلربما تغير، دعونا من الأب وأبنه فمُشكلتنا أعمق، أتعلمون أن لكل أمرئ من اسمه نصيب”.

وقف مالك بنوبة غضب غير معهودة منه: “حِكم!، أيُ مُشكلة أعمق من الظلم! أنا حتى فقدت قلمي العزيز، فلا أستطيع تدوين ما تقوله وهذا ما نحصل عليه حِكم!”

ابتسم المعلم بينما يُردد أسماءً ويشير لِمن يحملها: “عزالدين القسام مُجاهد ومُقاتل من أكبر المقاومين للاحتلال البريطاني لفلسطين، مُحمد علي جناح، مُحامٍ وسياسي أسس دولة باكستان ليستقل بالمسلمين، عبد العزيز الثعالبي، كان مقاومًا ضد الاحتلال الفرنسي في تونس، عُمر المختار قضى عُمره يُحارب الإيطاليين في ليبيا؛ كان أسدًا! ومالك الشباز، أكبر مُدافع عن حقوق الإنسان، وقد تعرفونه باسمه الآخر ” مالكوم أكس”. أنتم حفنة من المُناضلين الشجعان أهكذا تأنون وتضعفون بسهولة؟ أعزاءي أكره ما عليّ هو الضعف؛ جدوا نِقاط قوتكم، ولن يقف أمامكم أي ظالم. سأستشهد بأحب القول لي بلسان مالك الشباز:

لقد تعلمتُ باكراً أن الحق لا يُعطى لمن يسكت عنه، وأنَّ على المرء أن يُحدث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد

أو ما قاله عمر المختار:

الظُلم يجعل من المظلوم بطلًا، وأما الجريمة فلابد من أن يرتجف قلب صاحبها مهما حاول التظاهر بالكبرياء“.

عمَّ الصمت في الصف لبضعة دقائق، كان الأصدقاء يحاولون استيعاب ما قاله المعلم، لم يتوقعوا أن كلامه قد يجلب لهم بعض السلوان، بل ويعطيهم الدافع للمضي قدمًا.

غادر المُعلم الصف، فألتفت مالك نحو أصدقائه:” أهذهِ رُخصة لنا للهجوم؟”.

لن نترك رجلًا وراءنا

 أطلَّ صباح اليوم التالي مُعلنًا عن فرص جديدة للجميع. اجتمع الأصدقاء باكرًا قبل بداية الطابور الصباحي.

نورالدين: “اليوم سنعود لمقرنا فلن يطردنا أحد منه، وليحصل ما يحصل”.

مالك: “اشترت أمي لي هذه النظارة انظروا، رمى مالك النظارة أرضًا وداس عليها فلم تنكسر”.

محمد: “لن يُخيفُنا بشيء، لأنني احضرت سلاحًا سريًا”.

فيصل: “ماذا سلاح أأنت جاد؟”.

يوسف: “هدئ من روعك إنها كاميرا لنُثبتها؛ ستكون في اسوء الحالات اثباتًا عليهم، لن نذهب للمُدير، بل مُباشرةً لرئيس المدارس. مُحمد حقًا بدأت تفكر كسياسي ناجح”.

فيصل: “سأُثبت الكاميرا قبل بدء الطابور، اذهبوا للاصطفاف وسأعود اليكم بعد لحظات”.

تناول فيصل الكاميرا من يد محمد وجرى مسرعًا الى مكانهم السري.

نورالدين: “بقي يومان للانتخابات، حقًا ما يحصل الآن ليس الوقت المناسب بتاتًا”.

مالك: “بل اعتقد انه وقت مثالي، الإطاحة بهؤلاء الفاشلين يُمكن أن يكون إحدى انجازاتك التي تدفع الطلاب للتصويت لك”.

انتهى الطابور الصباحي وقلِق الأصدقاء كون فيصل لم يعد بعد. عادوا جميعهم للصف وبدأت الحصة الأولى تبعتها الثانية وخُتِمت الحصة الثالثة برنين جرس الفسحة.

يوسف: “أين ذهب فيصل!”.

نورالدين: “لم انتبه الى أي من الحصص لأنني ظللت أراقب الباب بانتظار قدومه”.

محمد: “لنذهب الى موقعنا لربما قرر الاستراحة لبضع دقائق لكن غلبه النوم على ذلك الكرسي المريح”.

مالك: “يبدو كشيء قد يقوم به فيصل”.

اتجهوا نحو مكانهم السري لكن لم يعثروا عليه هناك فقط رأوا الكاميرا مُثبتة في المكان المتفق عليه، ازداد قلقهم شيئًا فشيئًا فلربما واجهته مشكلة مع الثلاثي الفاشل. بحث الأصدقاء عنه في كل زاوية من المدرسة، وسألوا الجميع عنه لكن بلا فائدة، فلم يره أحد بعد الطابور الصباحي. عاد الأصدقاء الى موقعهم غارقين في الخوف.

نورالدين: “لربما شعر ببعض التعب فاتصل بوالدته لتأخذه؟”

محمد: “نعم ونسي أن يُخبرنا، لكن كيف سأعود الى المنزل اليوم؟”

مالك: “نعم، ألست تعود معه في أغلب الأوقات؟”.

يوسف: “عُذرًا محمد، نسيت أن اخبرك ستعود معي اليوم، اتصلت والدتك لتخبر والدتي”.

نورالدين: “دعونا من سلسلة التوصيل هذه، أين اختفى فيصل؟”.

مالك: “كما قلت أول مرة، لربما شعر ببعض التعب فاتصل بوالدته وعاد للمنزل، فلنمر عليه اليوم؟”.

أرضى اقتراح مالك الجميع لذا اتفقوا على اللقاء عصرًا ليزوروا فيصل.

مرت الحصص المتبقية كشريط فلم عالق في المُشّغل؛ ببطء شديد جدًا، لربما اتفق الجميع على زيارة فيصل، لكن كل منهم يُخفي في صدره خوفًا لا تفسير له. دق جرس الفرج، وركض الأصدقاء لمواصلاتهم مُعتقدين أن هذا سيُسرع من وصولهم لفيصل. وصل كل منهم الى منزله بأوقات مُختلفة لكن بهدف واحد، الاستئذان للذهاب لرؤية فيصل.

رنّت أربعة هواتف في الوقت نفسه، في أربعة منازل مُختلفة:

نورالدين: “والداي لا يمانعان، لكن يجب أن اعود قبل الثامنة”.

يوسف: “أنا أيضًا، والدتي خبزت كعكة لأخذها له حتى يتحسن”.

محمد: “اشعر بأنني شممت رائحة الكعكة عبر الهاتف”.

مالك: “لنلتقي هناك في تمام الساعة السادسة”.

أُغلِقت الهواتف وعمّ الهدوء في المنازل الأربعة.

 اجتمع ثلاثة من الأصدقاء قبل الموعد المحدد بعشرة دقائق، لكنهم قرروا أن لا يدخلوا إلا جميعًا، لذا انتظروا رابعهم، دقت الساعة السادسة فوصل مالك، وهمَّ مباشرةً بطرق الباب بينما تولى نورالدين رن الجرس. كانت الضوضاء مُستمرة لعدة ثواني ثم هدء الجو، فعادوا للدق مرة ثانية وثالثة لكن الرابعة لم تحصل، إذ مرت امرأة قريبًا منهم تسألهم عن سبب وجودهم.

المرأة: “ماذا تفعلون هنا؟”

نورالدين: “نحن ننتظر صديقنا يا خالة”.

المرأة: “لا يوجد أحد في المنزل، اوصتني أم فيصل بأن انتبه له لأنها مُسافرة لعدة أيام ووالده لديه نوبات في المستشفى”.

همس مُحمد لأصدقائه: “تذكرت لقد قالت والدته هذا من قبل”.

نورالدين: “إذًا يا خالة هل رأيتِ فيصل؟”.

المرأة: “كلا يا بُني ظننت أنه قرر الذهاب مع والدته، أليس هذا صحيحًا؟”.

صمت الأصدقاء لان نوبة هلع اصابتهم لكن مالك تدارك الوضع: “نعم، ونسي أن يُخبرنا الآن تذكرت”.

اومأت المرأة باقتناع وأكملت مسيرها لكن الأصدقاء لم تقوى اقدامهم على الحركة.

قرر الأربعة التوجه نحو حديقة قريبة حتى لا يثيروا الشكوك أكثر ببقائهم أمام منزل فيصل.

نورالدين: “يَصعُب على أن أضل مُتفائلًا، وأن أُبعد الأفكار السلبية عن ذهني”.

محمد: “نورالدين كن محضر خير أو لتصمت”.

مالك: “قد يكون فيصل مُهملًا في كثير من الأحيان، أتذكرون عندما سافر فجأةً ولم نعلم الا بعد أسبوع لأنه نسي أن يخبرنا، لربما اعادها”.

يوسف: “نعم اذكر هذا الموقف، لكن أتظنون انه من الأفضل أن نخبر ابائنا عن هذا؟”.

عزالدين: “كلا سنقلقهم من غير سبب، ونحن لسنا أطفالًا يمكننا حل مشكلاتنا بأنفسنا!”.

مالك: “لننتظر للغد سيتضح كل شيء عندها”.

كانت ليلة بعشر ليال، لم ينم أحدهم بهناء، طاردتهم الكوابيس حتى في وضح نهارهم. استيقظوا جميعًا بدون منبه أو نداءات، ليُسابقوا الزمن للوصل الى المدرسة. ترجل الأربعة من مواصلاتهم جريًا نحو مكان تجمعهم المعتاد ليُصدموا بالحقيقة التي كانوا يعلمونها سرًا في أنفسهم، لكن فضلوا أن يُكذبوها، عندها قرروا أن يجتمعوا في مكانهم وأن يتهربوا من الطابور الصباحي لأول مرة.

نورالدين: “الآن يُسمح لنا بالهلع والخوف”.

مالك: “نفذت حُججي التي تريحنا، لذا سأنضم لك نورالدين في الخوف والهلع”.

كان محمد يراقب الأفق لاهيًا عن المحادثة لذا استشاط نورالدين غضبًا: “أهذا وقت التأمل؟”.

جفل محمد من صرخته لكنه تجاهلها وتوجه نحو الكاميرا المنسية قائلًا: “ظلّت هذه تعمل طوال البارحة إن كان فيصل هنا يمكننا أن نراه”.

ربت يوسف على كتف نورالدين وقال: “اهدئ، فلقد وجد حلًا وانت لا”.

تجاهله نورالدين واتجه نحو محمد فتبعه الباقون، وقف الجميع خلف مُحمد بينما يعيد التسجيل لصباح اليوم الفائت. اشارت الساعة في أسفل الفيديو الى السابعة إلا عشرًا وظهر فيصل مُحاولًا تثبيت الكاميرا، ثم بدء بالدندنة وصنع وجوهًا مُضحكة، فضحِك الأصدقاء على شكله، ثم توجه نحو الكرسي وجلس نافخًا نفسه كديك مستعد للقتال قائلًا: “أنا ملك العالم وهذا عرشي، وحش أي وحش؟ أنا أقوى من كل شيء! غرابيون، غرابيون، غرابيون، ما أسخف هذا الاسم، أيُ طفل سيُصدق.. ثم اختفى فيصل.

توقفت أنفاس الأربعة وغادرت أرواحهم أجسادهم لعدة ثواني، حاول مالك الكلام لكنه فضّل الصمت، تجرأ يوسف بالضحك بتوتر ثم قال: “مُحمد هذه دعابة ثقيلة جدًا، وصدقني إن لم تتوقف فأُشهد الله هنا أمام الجميع سأضربك اسوء مما ضربك الفاشلون الثلاثة! لم يُبد محمد أي ردة فعل بل اكتفى بإعادة ” الفيديو” مُشيرًا الى الساعة التي لم تختفي أي دقيقة منها، بل واصلت الكاميرا التسجيل حتى اليوم الحالي.

توالت أصوات بلع الريق بينما الأنظار مُنصبة على الكرسي.

نورالدين: “أحاول استيعاب ما حصل، ما رأيك مالك أنت أعقلنا”.

لم يرد مالك فبادر محمد بالكلام: “قلت لكم هذه الأمور حقيقة! وأنتم لا تتوارون عن اغتنام فرصة الضحك عليّ لتصديقي بهذه الأمور!”.

يوسف: “محمد أأنت معنا أم علينا، نُريد حلًا لا لومًا! ماذا سنفعل الان أنخبر المعلم ياسر؟”.

نورالدين: “ماذا سنقول له؟ الكرسي أكل صديقنا؟ أتريد أن نكمل مسيرتنا التعليمية في مصحة للمجانين؟”.

تمتم مالك بعدة كلمات غير مسموعة فصرخ نورالدين فيه ليرفع صوته، لكنه لم يقدر.

نظر يوسف نحو الأرض قائلًا: “لقد قال فلنلحق به”.

واجه نورالدين يوسف ثم حوّل أنظاره نحو محمد، فمالك ليقول: “لا حل لنا غير ذلك، فنحن لن نترك صديقنا، لكننا لا نعرف ما الذي سنواجه لذا لنعتد، ولنلتقي هنا عند الفسحة موافقون؟

ارتجفت رؤوس الثلاثة؛ لا تدري بالموافقة أم بالخوف.

توجه يوسف نحو الصالة الرياضية مُستعيرًا بعض الحبال، نورالدين قرر أن يتجرأ ويدخل غرفة المشرف حيث خزانة الأغراض المُصادرة ليجد فيها كنزًا: “مسدس خرز وهواتف لاسلكية لكن فقط ثلاثة منهم، أما مالك ومحمد فقروا شراء ألواح شوفان وماء، لكن مُحمد أقترح أيضًا أن يكتبوا رسالة يشرحون فيها كل ما حصل ويضعوها في درج مكتب المعلم ياسر حتى يعلم أحدهم بمكانهم.

مرّت الحصص التي خلت من وجوههم، ورن جرس ساعة الصفر. اجتمع الأصدقاء حول الكرسي ينتظرون شيئًا ليحصل.

نورالدين: “هل نذهب تباعًا؟”.

محمد: “ويبقى أحدنا هناك لوحده، كلا”.

مالك: “لنجلس سويًا ونذهب في آن الوقت”.

يُوسف: “فكرة رائعة، إذا كنا سنؤكل فعلى الأقل نكون سويًا”.

غضب نورالدين مُخفيًا خوفه مما قاله يوسف: “لماذا تقول هذا؟”.

يوسف: “أرأيت الاوصاف المحفورة على هذه الطاولة؛ كائن برأس غراب وأطراف عجل، أتظنه نباتيًا مثلًا؟”.

جلس محمد على الأرض ليلتقط أنفاسه، من يراه قد يظن أن خرج توًا من “ماراثون” رياضي.

نورالدين: “هيا بنا لنقوم بهذا بسرعة قبل أن يجعلنا الخوف نغير رأينا، يوسف أنت أضخمنا أجلس أولًا وسأجلس أنا على قدمك اليمنى ومالك على اليسرى ونضع محمد فوقنا”.

توجه يوسف بلا مناقشة نحو الكرسي واتخذ موقعه، فتبعه مالك، ثم نورالدين، حدق محمد فيهم مُرتبكًا فالموقف أصبح حقيقيًا لوهلة، ابتسم نورالدين وبهدوء غير معهود تكلم: “إن كنت لا تستطيع القدوم معنا فأبقى هنا، وأن تأخرنا يُمكنك أن تكون مُساعدتنا في الخارج، نظر محمد الى أصدقائه وكأنه يراهم للمرة الأولى، رآهم في هيئتهم عندما كانوا في رياض الأطفال ومعهم فيصل، كان هو الطفل الدائم الخوف، لكنهم لم يتركوه بل ساعدوه ليتخطى كل عقبات خوفه، وها هو الآن يُختبر فهل سينجح؟

تغير شيء ما في نظرة محمد لأصدقائه وقال: “لنذهب حتى نُنقذ صديقنا”.

تشبث الجميع ببعضهم البعض ورددوا سويًا: “غرابيون، غرابيون، غرابيون، فإذا بهم خوفًا اغلقوا أعنيُهم، ولم يفتحوها حتى أحسوا بنسيم بارد جاف يلفح وجوههم.

يُتبع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *