غُرابيون

القِصة التي لم ترى النور.

في بعض الأحيان يا عزيزي القارئ أشعر أنني تجربة حية و أنت المُراقب الذي يدون الملاحظات. قبل فترة شاركت تدوينة التسويف و اعترفت بها بأكبر ذنوبي و كيف أن هذه المدونة هي الدليل الحي على كلامي وواقعية مشكلتي، و ادعوا الله أن تعيش معي تجاوزي لهذهِ المشكلة لكي تتحول هذه المدونة من شاهدٍ عليّ لشاهدٍ لي.

تزامنًا مع روح الشفافية التي أتبنها بتعنُت، لسنتين مُتواصلتين، حاولت المُشاركة في مٌسابقة عبدالحميد شومان لأدب الطفل. و إن حَزَرْتَ جيدًا، فلم أُشارك، لأنني لم يتسنى لي إنجاز الكتابة في الوقت المطلوب، لذا ظلت القصتين مُعلقتين، فلم يحوزا لا على شرف النقد و أو سعادة التقييم. لذا، أضع بين أيديكُم القصة الأولى : غُرابيون. ستكون القصة مُقسمة على ثلاثة أجزاء؛ حتى تسهُلَ عليك القراءة و أيضًا لأُضيف طابعًا حماسيًا. كما العادة، لا تبخل عليّ بأرآئك، فأمامي طريقٌ طويل لأتحسن.

الرؤوس الخمسة  

الصباحُ المدرسي، أسوءُ بداية لأي يوم.

 يرفضُ الأطفال الاستيقاظ وتمتلئ البيوت بنداءً واحد ” هيا قم يا ولدي حان وقت المدرسة، سنتأخر!”. تمتلئ الشوارع بمركباتٍ مُحملةٍ بالأطفال من عمر السادسة حتى السابعة عشرة، تحرُكات روتينية صعود ونزول، تجمعاتٌ تدفعك للسياقة ببطيء أمام أبواب المدارس، منظرٌ يبدو من الأعلى كأنه تجمعُ نملٍ على قطعةِ سكر. ترجل أحد الطلاب من باص المدرسة بشعره الأحمر الناري وعينيه البُنيتين المشعتين بالحماس مُستغربًا، لماذا يدفعُ العديد من الطلاب بعضهم بعضًا مُتهامسين ضحكًا عليه؟ انتبه، لكن لم يُهمه الأمر، بل تشبث بحقيبته المدرسية التي لا يخفى على ناظر أنها جديدة، وهرول مُبتسمًا ليواجه لافتة المدرسة (مدرسة صلاح الدين الأيوبي الإعدادية للبنين).

تردد صديقُنا الناري بالدخول، باديًا عليه بأنه ينتظرُ أحدًا، وحقًا؛ فلم تمر لحظات حتى ترجل طالبان من سيارة خاصة، لا يمتان لبعضهما بصِلة شكلية، الأطول ذو شعرٍ أسودٍ فاحم، والاخرُ أشقرُ كالشمس، تسابقا للوصول لصديقهم الواقف بجانب اللوحة، فضحِك الطالبُ الناري على حال هذين الاثنين وهتف قائلًا: أتصدقان، نحن طلاب مرحلة إعدادية لسنا أطفال َالابتدائية بعد الآن، لذا توقفا عن هذه التصرفات!

 لم يسبق أحدهما الآخر، ووصلا في الوقت نفسه، تضايق أحدهما قائلًا: ومُنذ متى تُعد السِباقات تصرفات طفولية، لا أظن أن لاعبي ” الأولمبيات” طُلاب ابتدائية، ضحك الثلاثة بينما يدخلون سويًا عبر البوابة.

كان المدخلُ مليئًا باللافتات الترحيبية بطلاب الصف السابع، عناوين رنانة (هذه المرحلة الجديدة تحتاج استعدادات كثيرة! من جدَّ وجد ومن زرع حصد) (لا زالت وجبة الإفطار أهم وجبة حتى الآن!) أخذت هذه اللافتة الذكية أنظار الطلابُ الضاحكينَ. سار الأصدقاءُ الثلاثة نحو جَمعٍ غفير تعلو فيه أصوات التأييد مع التذمر، اقترب الأصدقاء لينكشف لهم اللوحة المختبئة بِعنوان: (صفوف المرحلة الأولى – الصف السابع)، وكز أحدهم الأخر فقرروا صُنعَ درعٍ بشري لحماية أحدهم فيخترقوا الصف به، نجحت الخطة فوصل أحدهم امام اللوحة، لم تمر ثوان حتى صرخ: “نعم نعم كلنا سويًا، رائع!” التفت حوله ليحتفل، لكنه تذكر أن صديقاه الدرعين البشريين ما زالا في الخلف، لذا سلّمَ نفسهُ بلا مُقاومة لحركة الجموع لتعيده الى أصدقائه. وصل الأخير الى صديقيه اللذان قرئا معالم وجهه، فهتف الأشقر:” نعم نحن في نفس الصف أليس كذلك؟” هز الناريُ رأسهُ مُوافقًا بقوة فعلّق الأسود: “خمستنا؟” فهز رأسه بقوةٍ أكبر، عندها تحول الموقف الى أحضان عاطفية بعض الشيء، جالبةً الضحك عليهم، لكن لم يهمهم ذلك.

رن الجرس مُعلنًا بدء الطابور الصباحي، فبدء الأساتذة بالانتشار لجمع الطلاب في الساحة الأمامية، نظر الأشقرُ والأسود الى صديقهم وقالا معًا: “في أي فرقةٍ نحن؟” فرد صديقهم مُشيرًا الى مُعلمٍ يقفُ صامتًا، حاملًا لوحةً مكتوبٌ عليها (الصفُ السابع، الفرقة الثالثة): “أظنُ أنهُ مُرشد فصلنا”.

  توجه الأصدقاء الثلاثة نحو المُعلم فبادروا بالسلام، ليرد عليهم المُعلم مبتسمًا ثم واضعًا يده على الرأس الأحمر قائلًا: “أنت الثالث، ثم على الرأس الأشقر: أنت الرابع، مُنتهيًا بالأسود: هذا يجعلك الخامس”، استغرب الرأسُ الثالث قائلًا: “لسنا الأوائل، من سبقنا؟” أشار الأستاذ نحو طالبين اصطفا امام رقم الفصل الملصوق أرضًا: “الرأسان البُنيان الأول والثاني”، ضحك الأصدقاء الثلاثة لأن دائرتهم اكتملت. توّجه الثلاثي نحو الثنائي، فقال الرأسُ الثالث: “كيف سبقتمونا الى هنا؟” أخذ الرأس الأول مسؤولية الإجابة:” أصبحنا نسكن قريبًا من بعضنا لذا أوصلنا والده، وكما تعلمون العم طبيب لذا يخرج باكرًا جدًا”، أيّدهُ الرأس الثاني راضيًا. بدأت الساحة الأمامية بالامتلاء تمامًا كخلية نحل، لا يُفهم فيها ما يُقال؛ طنينٌ مُتواصلٌ من كمية المحادثات الجانبية وصُراخ المُعلمين بين الحين والآخر، ما أوقف هذه المحادثات هو صدى الطرقات المتواصلة على “الميكروفون” ثم تبعها صوتٌ غليظ أوقف الطنين فجاءةً:

“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكم يا ابنائي مُجددًا في عامٍ دراسيٍ جديد، قبل أن نُردد النشيد الوطني، أحب أن أرحب بأبنائي الجدد طلاب المرحلة السابعة، كونوا مُرحبين بهم، ومادين يد العون لهم في كل الأوقات.”

شّغل طالبٌ يرتدي زيًا مدرسيًا مُختلِف اللون مُسجلًا ليصدح منه النشيد الوطني، فبدأ الأصدقاءُ الخمسة بالنشيد مِلئ صدورهم، غارقين في بحر الشغف، ومستشعرين روح الانتماء. تنوعت حماسة الطلاب الآخرين بالإنشاد، كُلٌ على حسب مرحلته، طلاب المرحلة الثامنة يُحركون شِفاههم بلا صوت، مُستشعرين الاحترام لكن ليسوا صارخين به، أما طلاب المرحلة التاسعة، فمنهم من كان كسابقه من المرحلة الثامنة، لكن الأكثرية تُجري محادثات جانبية، وأما من يقف في الصفوف الأخيرة، فأخذوا على أنفسهم مُهمة الضحك على من يُنشد بصوتٍ عال.

انتهى الطابور الصباحي بِفقراته، لتبدأ أفواج الطلاب المُصطفة بالاتجاه الى صفوفها، وصلت الفرقة الثالثة الى صفها و حصل الأصدقاء الخمسة على فرصتهم الذهبية بأن يختاروا مقاعدهم لتكون مُتجاورة كونهم في أول الترتيب ، استقر الطلاب في أماكنهم لتعود موجة الطنين التي اعتادها المعلم، فبادر بتجهيز السبورة بكتابة اسمه عليها (معكم المُعلم عُمر)  ، اخرج دفترًا صغيرًا من جيب قميصه و عِدة أوراق من حقيبة جلدية كان يحملها طوال الوقت ثُم بدء بنقر الطاولة تِباعًا بِشدة تتصاعد حتى لفت الانتباه، فعمَّ الهدوء، وضع الأستاذ ابتسامةً مُرَّحِبة:” الطلاب الجدد في مرحلة جديدة، أهلًا بكم يا خرجي الابتدائية الى عالم الإعدادية، هُنالك كانتِ البداية و هُنا الإعداد لِنهاية تعليمكم الإلزامي، قد لا يختلف الوضعُ كثيرًا ؛ ربما الشدة ستكون أكثر مما ألفتوه و الدروس اصعب مما اعتدوه، لكن لا شيء مستحيلٌ عليكم. إذن دعونا نبدأ بالتعرف عليكم، سأنادي على الأسماء، لذا من يسمع اسمه ليجيب بحاضر”.

بدأ الأستاذ بالنداء، مما اعطى للطلاب فرصة جديدة للحديث الجانبي، لكن بهدوء شديد، حتى لا يُزعجوا مُعلمهم فيُسكتهم. كانت مجموعة الأصدقاء الخمسة تُخطط لشيء شغلها قليلًا عن نداءات المُعلم كونه بعيد عن أسمائهم ، حاول الرأس الثاني التحدث لكن قاطعه المعلم قائلًا : “فيصل الثعالبي” ، التف نحو مصدر الصوت رافعًا يده :”حاضر”، ثم عاد فيصل لِمقابلة أصدقائه : “بعد الحصص نذهب في جولة استطلاعية حول المدرسة لنجد لنا بُقعة تخصنا ما رأيكم؟” ، اومأ الباقون بالموافقة لكن عاد صوت المعلم ليُقاطعهم : ” محمد جناح” ، مرر مُحمد أصابِعه في شعره الأشقر قبل أن يصرخ بحاضر، ضحك أصدقائه على تباهيه المُفرط، فضحك الأستاذ معهم و أكمل : “مالك الشباز” ، تردد مالك لثواني معدودة لكنه أجاب النداء بثقة بعدها ، بدأت المحادثات تعلو شيئًا فشيئا فحاول الأستاذ الاستعجال حتى لا يفقدهم كليًا : “نور الدين قسّام” ، لوح نور الدين بكامل طاقته مُدندنًا كلِمة حاضر كأنها اغنية ، واصل الأستاذ : و أخيرًا “يُوسف المختار” ، فابتسم بكلمة حاضر.

مرّت الحصص فكانت أطول من المتوقع رغم كونها حصصًا تعريفية، كانت الحصة الثالثة لأستاذ الرياضيات الذي وعلى غير المتوقع غائب عن حصته، لذا استغل الطلاب هذه الفرصة للعب داخل الفصل مع التعرف على بعضهم البعض. وقف أحد الطلاب على طاولته وصرخ قائلًا: أنا زياد وأرشح نفسي لأن أكون رئيسَ الفصل.

نفض نور الدين تُرابًا وهميًا من على قميصه ليكرر فعل زياد قائلًا: “أنا أيضًا أرشح نفسي لهذا المنصب”.

ضَحِك زياد فشاركه عدة طلاب ثم قال: “أ أنت أيها الأحمر، تترشح ضدي؟ عُد لأصدقائك ودع هذه الأمور لأصحابها”.

نظر نور الدين نحو أصدقائه الذين أشاروا له بأن يهدئ لكن لا فائدة مرجوة من ذلك:

“أصحابها؟ أنا لا أراهم، اتقصد نفسك؟ لنقوم بحملتين انتخابيتين ونضع موعدًا لنقل بعد أسبوعين من اليوم وسنرى أيُنا يفوز، ما رأيك؟”

نزل زياد وتوجه نحو نورالدين مادًّا ذراعه ليصافحه فبسط نورالدين يدهُ وقرّب زيادًا مِنهُ هامسًا: “عزز من لُغتك، فلا يُصفُ الناسُ بألوانهم بل بما يُجيدون، وبارك الله في الأفضل للفوز”.

رن الجرس، أو كما يُسميه الطُلاب، جرس الحرية! وفي لمحة بصر، فرغت الصفوف قبل انتهاء الرنة. توجه الأصدقاء الخمسة الى نفس الموقع الأول الذي اجتمعوا فيه، فبدء نورالدين بسرد خطته بينما يحجب الشمس عن عينيه بيد ويستعمل الأخرى لدعم شرحه: “انظروا يا أصدقاء، اليوم سيكون جولة استقصائية بحتة، لن نختار مكانًا فورًا بل نختارُ ثلاثًا ونصوت على الأفضل”.

أومأ الاخرون رؤوسهم بالموافقة بينما أخرج مالكٌ قلمًا ودفترًا صغيرًا من جيبه: “سأدون الأماكن الثلاثة بالإضافة للإيجابيات والسلبيات. صفق نورالدين بينما يُغمض عينيه قائلًا: “نعم اقل ما نتوقعه منك يا منظم المجموعة!”

بدأت حملة البحث المخطط لها لكن الأمور لم تجري كما كان متوقعًا.

حك محمدٌ رأسه بينما ينظر يمينًا: “ألم نكن هنا قبل عدة دقائق؟”

دفعه فيصل بلطف مُعاتبًا: “كلا كلا انظر الى لافتة ” النظافة من الأيمان” إنها المرة الأولى التي أراها.

تنهد يُوسف بضجر:” للمرةِ العاشرةِ يا ذاكرة السمكة، مررنا هنا وعلقت بنفس التعليق على نفس اللوحة”.

صفق نورالدين قائلًا: “حسنًا لربما ستطول مُهمتنا وتمتد لعدة أيام حتى نعتاد على المدرسة، لكن يُمكننا أن نُكمل الآن فلا داعي للمناوشات، فلنذهب قبل …

قاطعهُ صوت الجرس الذي مثّل الحُرية آنفًا، فعاد الأصدقاء الى صفهم، وتعاقبت عليهم الحصص التعريفية الطويلة.

اقتربت نهاية اليوم الدراسي الأول بحلول الحصة الأخيرة، أطل المُعلم عُمر بطريقة مسرحية، مادًّا رأسه من الباب قبل أن يُدخل جسده بالكامل:” أهلًا بصفي، ستكون حصتي اليوم هي الحصة الأخيرة، نظر الطلاب الى بعضهم البعض فكسر زياد الصمت بقوله:” ألست مُشرف الفصل فحسب؟ ضحك المعلم بينما يدخل متأبطًا حقيبته الى أن وصل لطاولته فوضعها وأخرج كِتابًا سمينًا وقال بينما قلب في صفحاته:” أنا مُعلم تاريخ، والمدرسة تؤمن بتعدد الوظائف لتوفير المال، وأيضًا أظنُ سِرًا أن المدير يكرهني، فضحك الطلاب على صراحة المُعلم المفاجأة بينما يومأ لهم المُعلم بإبقاء سرِهِ بينهم.

اخرج الطلاب كتبهم المستلمة حديثًا لأن المعلم عُمر قرر أن يعطيهم درسًا قصيرًا لأنه تعّرف عليهم سابقًا، بدا محمدٌ سارحًا وبعيدًا عن الصف، فلفت هذا انتباه نورالدين فكتب ورقةً صغيرة ومدّها اليه (هل أنت ضائع؟) قرأ محمد الورقة فهز رأسه نفيًا وقلب الورقة لجهتها الأخرى ليكتب (أليس غريبًا كيف أن حقيبة المعلم النحيفة تلك تحمل كتابًا كبيرًا كهذا؟) ضحك نورالدين ولم يقدر على احتواء تلك الضحكة بالطريقة الصامتة المعهودة للطلاب، فصدمه صوت المعلم الذي لم يلتفت لمواجهته: “أضحكنا معك يا نورالدين”، نظر الطلاب نحو نورالدين فنظر هو بدوره لهم، لكن وجه واحد صب تركيزه عليه (زياد) الذي مالت ابتسامتُه على جانبٍ واحدٍ من وجه بطريقة شامتًا به، فحاول نورالدين الدفاع عن نفسه لكن قاطعه محمد قائلًا: “سألته جادًا، كيف لحقيبتك الضعيفة تلك ان تحمل كتابًا سمينًا كهذا؟” لم يتوقع المُعلم هذا الرد فضحِك ثم حاول احتواء نفسه ليلتفت نحو طلابه: “مُلاحظة جيدة، أظن أن حقيبتي تشبهنا”، نظر الطلاب الى بعضهم البعض قبل أن يُكمل المعلم ويُزيل غمامة التساؤل التي غطت الصف بأكمله: “انظروا الى احجامنا مُقارنة بهذا الكون؛ نحن صغار الحجم مهما كبِرنا بالعمر، لكننا نحمل الكثير من الأفكار والمشاعر التي وبشكل غريب تتسع داخلنا، أليس كذلك؟”. أومأ الطُلاب جميعًا رؤوسهم بوتيرةٍ واحدة، بينما أخرج مالك دفتره ليكتب ما قاله المعلم، لذا قاطعه محمد بالتحديق فيه: “أتكتب ما قاله، انت تعلم انه لن يختبرنا فيه؟ تسللت ابتسامة صغيرة من بين شفتي مالك لكنه أكمل الكتابة قائلًا: “أشعر أن ما قاله سيفيدني في يوم من الأيام”.

العثور على مكان للتسكع

مرَّ أسبوعٌ كامل، والأصدقاء حائرون فهُم للآن لم يجدوا مكانًا يدعونه (مَقرنّا الخاص) وفي آن الوقت بَقيّ أسبوعٌ مدرسيٌ واحد على الانتخابات لرئاسة الصف.

نورالدين: “الى ماذا وصلت يا مالك، أخبرنا بالأماكن الثلاثة ودعنا نصوت على أحدهم لنبدئ بالتخطيط للحملة الانتخابية”.

مالك: “حسنًا أنصتوا جيدًا:

  • المكان الأول لندعوه المشتل، يقع بالقرب من صفنا لذا لن نحتاج لوقت إضافي للعودة بعد انقضاء الفسحة، مكان معزول بعض الشيء لان قليلًا من المعلمين يمرون قريبًا منه، أما عيبُه فهو من اسمه؛ فإنهُ قريبٌ من المشتل لذا سنُكوّن صداقات مع الحشرات.
  • المكان الثاني الحائط، يقع خلف الصالة الرياضية، معزولٌ تمامًا، ولا يمكنك الوصول إليه إلا عبر ممرٍ ضيق، لذا من سيحاول الدخول سنراه فنطلب من العودة، أما عيبهُ الوحيد بُعده عن فصلنا لذا علينا البدء بالمسير قبل انقضاء الفسحة بعدة دقائق.
  • المكان الثالث الكرسي، يقع بين المبنى القديم لطلاب السنة التاسعة ومبنى الإدارة، الطلاب يتجنبون هذا المكان حتى يبتعدوا عن انظار الإدارة، والمكان يحوي كرسيًا جلديًا قديمًا و مُريحًا جدًا، ميزة إضافية هناك طريق عبر المبنى المهجور يُوصلنا للصف في لمح البصر، مُشكلته، أنّهُ ملعون.

عمّ صمت المكتوم لموجة ضحك تلوح في الأفق، لم يحتمل فيصل ففعّل سِلسلة الضحك التي انضم لها الجميع عدا مالك.

فيصل: “مالك أجادٌ أنت؟ قد أتوقع هذا النوع من الأفكار من محمد لكن أنت؟”

محمد: “مؤلم؛ لكن صحيح، ما الذي دفعك لقول هذا؟”

مالك: “بينما كنت أدون المعلومات، جاءني طالبٌ من المرحلة التاسعة أسمه فتحي الليفي وأخبرني أن ابتعد عن هذا الكرسي لأنه ملعون، وهناك طفل في المرحلة السابعة جلس عليه واختفى بلا أثر”.

نورالدين:” أنت جلست عليه وها أنت واقف ذا أمامنا؟”

مالك: “نعم هذا ما دفعني للشك، أيضًا، كُنت أحتاج لنقطة سلبية فوضعت ما قاله لي”.

فيصل:” حُسم الأمر الموقع الثالث (الكرسي) سيكون مقرنا الرسمي، لنتصافح عليه”.

تصافح الأصدقاء واتفقوا على أن يكون يومهم الأول للاجتماع غدًا.

ودع الأصدقاء بعضهم عند البوابة قبل أن تُفتح بثواني، فُتحت البوابة، فصفق فيصل: “هذا رائع على الوقت تمامًا” بينما ينظر الى ساعته، أجفل ما قاله فيصل بقية المجموعة فضحك نورالدين قائلًا: “عرفنا أن والدك أشترى لك ساعة الكترونية جديدة”، ضحك الجميع فستأنف نورالدين كلامه: “تبقى خمسة أيام على الانتخابات، غدًا، فيصل أحضر اللوحات، مالك اكتب الشعارات كمسودة أولية، محمد أحضر ما نحتاج من أدوات فنية للتصميم ويوسف قلت أن لديك ميكروفون صغير مُتنقل أحضره لنجربه غدًا، اتفقنا؟”

أومأ الجميع بحماس: “نعم!”

ركِب كل منهم وسيلة تنقله عائدًا للمنزل، نورالدين استقل الحافلة، مالك يعود سيرًا لأن منزله خلف المدرسة تمامًا، يوسف يُوصله أخوه بعد عودته من الجامعة، ومحمد وفيصل يذهبان معًا، توصلهما والدة فيصل. في طريق العودة كان محمد وفيصل يتهامسان، ولا يعلو من صوتهما الا الضحك فشعرت الأم بالفضول فحاولت أن تنضم لهما.

الأم: “فيصل، عزيزي، سأقضي عدة أيام مع جدتك، أما الدك فلديه نوبات عمل مُتأخرة، لذا هل سيناسبك أن تضل وحيدًا في المنزل أم تُفضل المبيت مع مُحمد؟

وكز محمد ذراع فيصل ليدفعه للموافقة وهمس: “سنقضي وقتًا ممتعًا”.

لكن فيصل كان له رأي أخر: “أمي أنا في الصف السابع، أستطيع البقاء وحدي وربما سأمر على محمد لقضاء بعض الوقت معه”.

ضحكت الأم وقالت: “بالطبع أصبحت رجلًا لا يُخاف عليه، إذن عن ماذا كنتما تتهامسان قبل قليل؟”

فيصل: “عن بعض الأسرار الخاصة، أتسمحين؟”

ضحكت الأم:” بالطبع أسرارك خاصة بك. لقد اقتربنا من منزلك يا محمد هيا استعد للنزول ولا تنسى أن تسلم على والدتك”.

محمد:” بالطبع، شكرًا خالتي، وأنت أراك غدًا لا تنسى ما طلبه نورالدين؛ فقد يتحول الى الأحمر ويقضي علينا. ضحك فيصل بينما رفع إبهاميه موافقًا ومودعًا”.

صباح اليوم التالي، والعد التنازلي يُشير الى أربعةِ أيام قبل موعد الانتخابات، مرت الحصص ببطء شديد بينما الأصدقاء يُراقبون حركة عقارب الساعة التي أبت أن تتحرك، وفيصل وحده، يُراقب الأرقام تتغير على ساعته (الالكترونية) حتى رنت مع رنين الجرس المُعلن لبدء الفسحة.

جمع الأصدقاء الأدوات الازمة، وتوجهوا مُباشرةً نحو مقرهم، كانت تلك مرتهم الأولى بالتجمع هناك، نظر نورالدين حوله بإعجاب، بينما بسط فيصل شرشفًا أحمرًا على الأرض، فبدء مُحمد بترتيب اللوحات على صوت مالك وهو يشارك ما كتبه كهتافات تشجيعية: “نورالدين سيُنير دربنا نحو الدين بتجديد المُصلى! نورالدين سُيقلل من كل الواجبات والاختبارات التي ترهق اليدين! نورالدين…” قاطعه نورالدين كمن يُلبي النداء: “حسبُك يا رئيس الحملة، هل سأصبح رئيس الفصل أم رئيس الدولة؟ أيُ مصلى سأجدده وبأي مال؟ الا تتذكر المعلم ياسر الذي يشغل وظيفتين لأن المدير لا ميزانية له، أتريدني أن أصلح المُصلى بمصروفي الأسبوعي؟” ضحك مالك مجيبًا: “لما لا، لكن أليس من الغريب أن المدير يُعاني من مشاكل في الميزانية ولديه سيارتان رياضيتان؟”

حدق الباقون في مالك لكن سرعان ما انشغلوا بالعمل تظاهُرًا وعمت السكينة المكان.

قاطع سكينة العمل المتواصلة سؤال وجهه محمد للجميع.

محمد: “إذن لن يجلس أحدنا على الكرسي؟”

نظر مالك الى الجميع وضحك في سره.

نورالدين: “هل حقًا لا زالت تلك الخرافة تلعب في اذهانكم، سأجلس أنا”.

توجه نورالدين نحو الكرسي، كان الكرسيُ أسود فاحم مصنوع من الجلد، له مساند لإراحة الذراعين والرقبة.

نورالدين: “هذا الكرسي مريح جدًا ودافئٌ من طول تعرضه للشمس، أستطيع أن اخذ قيلولة مريحة عليه”.

نظر الأصدقاء الى بعضهم البعض وتدافعوا للوصول الى الكرسي.

نورالدين: “هدئوا من روعكم! سنجربه كلنا وبما أننا خمسة وأيام المدرسة خمسة كل فرد فينا سيكون له يومه، مالك اخرج دفترك ووزعنا”.

أخرج مالك دفتره المُرتبط بقلم وبدء يدون مُحدثًا المجموعة بصوت مسموع:

  • الأحد: محمد
  • الاثنين: فيصل
  • الثلاثاء: نورالدين
  • الأربعاء: مالك
  • الخميس: يوسف

ضحك يوسف قائلًا: “أليس هذا ترتيبنا في يومنا المدرسي الأول؟”

أومأ مالك بالإيجاب.  

تناوب الباقون على الجلوس مؤيدين الفكرة التي طرحها نورالدين.

قضى الأصدقاء وقت الفسحة بأكمله في التخطيط والتجهيز، لكن تلك الخمس والأربعون دقيقة لم تكن كافية للانتهاء من كل الأعمال، أضف إليها تسلُل بعض الطعام الى افواههم. انتهت الفسحة برنين الجرس وتوجه الأصدقاء نحو الصالة الرياضية مباشرةً؛ لأن المعلم أخبرهم ان لا داع لتضييع الوقت بالعودة للصف ثم الاصطفاف مجددًا للذهاب للصالة. جلست الفرقة الثالثة في دائرة يُراقبون تحركات المعلم وهو يُرتب أقماعًا ملونة بشكل متعرج، فالواضح أنهم سيجرون اليوم، عندها سحب بعض العقبات للقفز وعقبات للزحف أيضًا، والخاتمة كانت الأسوأ، الرمية الحرة لكرة السلة.

صفق الأستاذ بعد الانتهاء قائلًا: “اغلقوا أفواهكم المفتوحة فهذه فقط البداية، كل هذه المهارات هي أساسيات، وانا وضعتها لكم من باب التذكير لنبني عليها في الحصص القادمة”، بلع مالكٌ ريقهُ بقوة دفعت يوسف للالتفات له: “انصحك بنزع نظارتك، فصدقني لا تريدها أن تطير أو تسقط عليها فتفقأ عينك”، ما زادت نصيحة يوسف مالكًا إلا رعبا فقال:” كيف سأرى السلة؟” نظر يوسف حوله فتأمل حذائه لثواني وبدء بحل الخيوط معطيها لمالك: “اربط أطراف نظارتك بهذا الخيط وعلقها حول رقبتك، نفذ مالك الأمر فورًا وانطلقت الفرقة نحو مهمتهم التي تبدو مستحيلة.

كان طلاب الفرقة مشغولين باسترجاع انفاسهم فلم يلاحظوا مراقبة المُدير لهم، انتبه المُعلم لوجوده لذا صفق عدة مرات للفصل بأن يصطفوا ويسلموا على المدير، ابتسم المدير قائلًا:” نعم يا رائد أريّ هؤلاء الأطفال كيف تكون المرحلة الجديدة، اللعب الخفيف ولى زمانه” ثم ارتفعت ضِحكة غليظة من المدير أجبرت الجميع على الابتسام بتوتر.

انتهت الحصة بالتزامن مع انتهاء انفاس الطلاب، رنين جرس هذه الحصة لربما أسعد عليهم من جرس الفسحة. خرج الطلاب زحفًا من الصالة الرياضية نحو صفهم حيث كان المعلم ياسر في انتظارهم بالفعل، ضحك المعلم على حال الطلاب ولم يمنع نفسه من التعليق: “أيا ليت الشباب يعود يومًا لأخبره أن المشيب ليس أسوء شيء، انظروا لحالكم ألستم صغارًا لتكونوا بهذا التعب من حصة رياضية واحدة؟” حاول نورالدين التملص ببعض الكلمات بين أنفاسه قائلًا:” معلمي، هذه لم تكن حصة تعليمية، المعلم رائد يُجهزنا لشيء ما، حربٍ لربما”، تصاعدات أصوات الموافقة على ما قد قيل، فاكتفى المعلم بالضحك.

مرت الحصص وصولًا لرنين ساعة فيصل مع جرس المدرسة المُبشر بنهاية اليوم الدراسي، وها قد جاء الفرج للطلاب. قرر الأصدقاء الإبقاء على أدوات الحملة الانتخابية في خزانة يوسف ، والذهاب الى المنزل بإيادٍ فارغة، مُكتفين بحقائبهم الثقيلة.

يُتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *