الجُزء الثالث و الأخير
إن لم تقرأ الجُزء الثاني، فيُمكنك النقر على هذا السطر.

الجانب المُظلم من العالم
“هل مُتنا؟”
دوى صدى هاتين الكلمتين في الظلام الدامس بصوت مُحمد، فأجابه صدىً آخر بصوت يوسف: “والموتى يتكلمون؟”، فتح الجميع أعينهم ليُفاجئهم الظلام الذي يتخلله ضوء خافت بالكاد يُنير ما تحت اقدامهم، صرخ مالك فاجعًا الجميع: “غرابيون، غرابيون، غرابيون، فوكزه نورالدين: “لماذا فعلت ذلك، أصمت نحن لا نعرف ماذا نواجه”، صمت مالك للحظة ثم قال: “إذن لا نستطيع العودة كما دخلنا”.
نزل الأربعة من الكرسي ينظرون حولهم على قدر ما تسمح لهم الإضاءة، مكان مغلق، غرفة ليست بكبيرة أو صغيرة، أمامهم مكتب، وخلفهم نافذة كبيرة لكن مكسورة تُطل على ساحة مظلمة تحيط بها أشجار عارية، حيطان المكتب عبارة عن رفوف تساقطت منها كتب محروقة وشهادات ممزقة، تحركت المجموعة ببطء شديد، مُحذرين ومتأبطين بعضهم البعض.
نورالدين: “لا تلمسوا شيئا لربما يسقط وينتبه لوجودنا الشيء”.
يوسف: “سنناديه الشيء كما يبدو، لكن ما هذا المكان”؟
مالك: “ألم تعرفوه؟ أنه مكتب المدير حامد”.
محمد: “ماذا؟ نحن في المدرسة؟ كيف لكن لماذا هي مظلمة هكذا”.
نظر نورالدين نحو النافذة وحقًا هي كنافذة المدير المُطلة على الساحة، اقترب عدة خطوات نحو النافذة فإذا بصوت تكسر يصدر من تحت قدمه.
محمد: “ما هذا؟”.
لم يتحرك نورالدين لكن يوسف مد يده لالتقاط ما تحته فإذا بها تكون ساعة فيصل الالكترونية!
نورالدين: “ساعة فيصل لقد كان هنا”.
طلب مالك من يوسف أن يناوله الساعة فتفحصها لثواني ثم قال: “ما زالت تعمل، الآن الساعة العاشرة، وقت الفسحة”.
سمِع الأربعة صوت قرقعة من خارج المكتب فأخرج نورالدين مُسدس الخرز وتناول يوسف إحدى الإطارات المكسورة، فاحتمى الاخران بهما، تحرك الفتيان نحو الباب المفتوح جزئيًا فإذا بالصوت يقترب، فقرروا بصمت أن يختبئوا خلف الباب. عبر الفتحة الصغيرة، مرَّ خيالٌ أسود يمشي مُتثاقلًا، يجر خلفه طاولة مدرسية، توقف الأربعة عن التنفس خوفًا من أن تكون انفاسهم مسموعة، مضى الشيء في طريقه وتنفس الأربعة الصُعداء.
طال تجمد الأربعة لمدة أطول من المتوقع الى أن تحمحم نورالدين هامسًا: “هل سنتحرك أم ماذا؟”.
نظر الأصدقاء بعضهم إلى البعض، وأيدوا كلام نورالدين، فقاد يوسف المسير نحو الباب. مشوا على أطراف اصابعهم مذبذبي الرأس، يلتفتون في كل لحظة مُغطين بأبصارهم الاتجاهات كلها، همس مالك لنورالدين: “إلى أين سنذهب؟” أشار نورالدين نحو غرفةٍ صغيرة تُستعمل للتخزين، فاتجه الأصدقاء نحوها ضاغطين أنفسهم لتكفيهم الغرفة.
تكلم نورالدين بصوت أعلى من الهمس بقليل: “لم أرد أن أتكلم في مكان مفتوح لذا انصتوا، هدفنا الأول إيجاد فيصل والثاني الخروج من هنا”.
حاول مالك تحريك يده ليخرج ساعة فيصل ثم قال: “الساعة الآن العاشرة والثلث في عالمنا الحقيقي”.
تنهد محمد: “كل هذا الرعب ومرت عشرون دقيقة فقط! إنها حقًا المدرسة.”
حاول يوسف الحركة لكن لا فائدة فانزعج قائلًا: “إن لم يأكلنا الوحش فسنختنق هنا، لنخرج”.
همّ الأصدقاء بالخروج لكن نورالدين تشبث بهم وقال: “لنتجه نحو صفنا”.
وافقه الجميع، وفتح يوسف الباب بهدوء شديد حتى لا يُصدر صريرًا يجذب به ما هو غير مرغوب.
عاد الأربعة لمشية الترقب المملؤة بالرهبة، حيث رؤوسهم تكاد تسقط من اعناقهم، المسير للصف كان أطول مما توقعوا وكأن الصف يبتعد بكل خطوة يخطُونها نحوه!
مضى الأربعة بمسيرتهم صامتين مُترقبين، فإذا بضوءٍ ساطعٍ يُنير الممر من خلفهم ، فأرهب قلوبهم، و أعمى عيونهم، التفتوا نحو مصدر الضوء فإذا بمحمد يحمل كشافًا بيده اليمنى و يطلب منهم الصمت بيده اليسرى، فما كان من يوسف إلا أن يُسقط يد الخباز الخاصة به على ظهر محمد مُعاقبًا إياه على الرعب الذي سببه ، كتم محمد آلامه و مالك ضحكاته فهمس نورالدين : “الآن قررت أن تشارك الكشاف؟” حرَّك محمد شفتيه معتذرًا، فواصل الأربعة الميسر بدربٍ مُضيء.
وصل الأصدقاء الى باب فصلهم لكنهُ كان مُوصدًا على عكس بقية الأبواب هنا، لذا وجَّهوا انظارهم ناحية نورالدين الذي تفاجأ أنه تم اختياره لفتح الباب، مد يده واحكمها على قبضة الباب المعدنية الباردة، حركها نحو الأسفل واستجمع فُتات الشجاعة التي تكاد أن تنفذ منه، ليدفع بجسده عبر الباب، فإذا به يهوي على رأسه دفترٌ ثقيل، فصرخ مُتناسيًا المكان الذي هو فيه. اندفع الباقون بأسلحتهم، مالك بقلمه، يوسف بإطاره ومحمد بكاشّفه، مستعدين لينهالوا بالضرب على من اعتدى على صديقهم، ليتفاجؤوا بأنهُ صديقهم الضائع!
محمد: “فيصل! لا أصدق عيني، حمدًالله، هل هذا أنت حقًا؟”.
ابعد فيصل يدي مُحمد عن وجهه، وأبدلها بعناق حار.
نورالدين: “ضربة رائعة، كدتُ أن افقد وعيي، اشتقنا لك، كادت قلوبنا أن تسقط من القلق عليك”.
اجتمع الكل في عناق جماعي اعادهم للحظات الى اليوم المدرسي الأول، عمّ الصمت قليلًا لتحل محلها بعض الدموع، حاول كل واحد فيهم أن يخفي دمعه، إما بِظهره أو بيده، لكنهم ضعفوا.
تجمع الأصدقاء داخل حصن متواضع صنعوه من الطاولات وقد خارت قواهم لا من التعب، بل من الرهبة.
مالك: “الساعة الآن الحادية عشر ونصف”، ثم ناول فيصل ساعته.
فيصل: “هل ساعتي تعمل؟ ظننت أنني كسرتها”.
مالك: “ساعتك بشكل ما تقرأ توقيت عالمنا الحقيقي، لكن كيف فقدتها؟”.
فيصل: “عندما وصلت الى هنا، رأيت ذلك الشيء يقف مُحدقًا في بعض الشهادات، عندما التفتُ مواجهًا إياه، نزعت ساعتي لأرميها عليه وركضت الى هنا”.
نورالدين بنظرة تكتم خلفها ضحكًا هستيريًا: “رميت الساعة عليه”.
ضحك الجميع حتى اختنقوا بضحكاتهم، فشاركهم فيصل الضحك. أخرج نورالدين ثلاث لاسلكيات من حقيبته وقال: “لننقسم، ونبدأ بالهدف الثاني أن نجد مخرجًا من هنا”.
فيصل: “لا أُريدُ أكون وحيدًا، فلقد بقيت هنا يومًا كاملًا”.
مالك: “سنرسل يوسف معك للبحث، فيصل خذ هذا الماء، فبالطبعِ ستكون ميتًا من العطش”.
فيصل: “في الوقع لا؛ ذهبت الى المقصف واخذت من الماء والمقرمشات ما يكفيني”.
نورالدين: “إذًا المدرسة كما هي لكنها مُظلمة فقط؟”.
فيصل: “نعم حتى المقرمشات لا طعم لها لكنني أكلتها لأسُد جوعي”.
نورالدين: “حسنًا، مالك ومحمد خذا هذا اللاسلكي، فيصل ويوسف خذا هذا، أنا سأكون بمفردي”.
محمد: “أمتأكد أنك ستكون بخير بمفردك؟”.
نورالدين: “لا تقلق عليّ فلديّ سلاحي وإن احتجت إليكم فنحن على اتصال”.
وقف الأصدقاء بعزم، وقرروا المغادرة تِباعًا حتى لا يصدروا جلبة عالية، غادر مالك ومحمد، تبعهما يوسف وفيصل، واخيرًا أغلق نورالدين باب الفصل خلفه.
توجه مالك ومحمد الى مخرج الطوارئ، جاهدا على فتح الباب، لكنه كان مُقفلًا، فنظرا حولهما فانتبها بإن المدرسة لها اسوارٌ شاهقة لا تنتهي على عكس مدرستهم الحقيقة! فتح مالك جهازه لينبئ الاخرين بما رأى: ” مالك الى الباقين حول”، مرت دقيقة صمت ثم رد صوت خافت: “حول، حقًا كما الأفلام؟ معك يوسف هل انتم بخير؟” تخلل صوت يوسف كلمات بصوت نورالدين: “المدرسة لا نهاية لأسوارها!” نظر مالك نحو محمد الذي قال بدوره: “أ نحفر خندقًا؟”.
اختار نورالدين أن يُجرب أكثر الطرق وضوحًا لعل الإجابة تكون أسفل انوفهم كل هذا الوقت، فاتجه نحو البوابة الرئيسة، وطبعًا كانت مغلقة، وهنالك انتبه لنفس الملاحظة التي جذبت انظار مالك. يوسف وفيصل فكرا بمواقف سيارات المعلمين، فإذا بهما لا يران إلا سيارتي المدير الرياضيتين هناك، حاول فيصل تشغيل إحداهما لكن لا فائدة مرجوة من محاولاته.
واصل الجميع المحاولات بأي شيء يرونه لكن كلها باءت بالفشل. أكمل مالك ومحمد المسير متوجهين نحو مكتب المدير، استغرب محمد من عودتهما الى هناك فسأل مالك: “لماذا نحن هنا مجددًا؟”، فتح مالك باب المكتب بهدوء واثقًا بأنه سيكون فارغًا، و أشار لمحمد بالدخول ثم ليُغلق الباب خلفه، دخل مالك و توجه مباشرةً نحو الرفوف وتناول الشهادات المُعلقة قائلًا: “عندما قال فيصل أن الشيء كان يُحدق في هذه الأرفف استغربت كثيرًا، فهل كائن كهذا يقرأ؟”، شهق مالك ووجه الشهادات نحو محمد، تمعّن محمد في الشهادات المعنونة (شهادة مُشتراة) وكل الشهادات كانت بنفس العنوان، أما الكتب فكانت عبارة عن صفحات مُعاد فيها كلِمة (كاذب). اخرج مالك مُسرعًا جهازه وصرخ فيه: “أ تسمعوني؟” أجاب الجميع بالإيجاب فتحدث مالك: “نحن في مكتب المدير، عندما قال فيصل أن الشيء كان يراقب الرفوف ذهبت للتأكد من شيء، كل شيء هنا مزيف، لأن المدير مزيف! شهاداته وعِلمه، كل شيء، إنه كأبنه فاشل! هذا العالم الذي نُحن فيه بُنيَّ على كذبه، لهذا هو مظلمٌ مُوحش”.
كان الجميع غير مصدقين لما سمعوا، رد نورالدين عبر الجهاز: “إذًا الشيء هو المدير؟ رد مالك: “أظن ذلك”. أعاد مالك الشهادة، وحاول البحث عن شيء يدلهم على مخرجٍ من هنا، تردد الى مسامع مالك صوت لفتح الباب لذا صرخ بهدوء في محمد: “انتظر لا تخرج لربما نجد شيئًا هنا، لكن محمد تشبث بذراع مالك مما أرسل قشعريرة باردة سرت على طول ظهره، ليلتفت فيجد غُرابيون، فتح مالك جهازه وصرخ: “أنه هنا لقد امسك بنا، النجدة!”.
جفل الباقون من تلك الرسالة العاجلة وقبل أن يحاول يوسف الرد، وجههُ نورالدين قائلًا: “اذهب الى مكاننا واجلب البساط الأحمر بسرعة، ثم توجه لمكتب المدير ولا تنسى حقيبتك التي فيها الحبل”. اطاع يوسف الأمر، وجرى هو وفيصل لإحضار البساط الأحمر وبدئا بالركض كالمجانين نحو المكتب. وصل نورالدين في لمح البصر كونه الأقرب، فدفع الباب فإذا بالشيء قد حاصر مالك ومحمد في زاوية الغرفة، اخرج نورالدين مُسدس الخرز وأطلق عدة خرزات عليه، فلفت بها انتباه ثم بدأ بالصراخ: “أيها الجبان! لم تستطع أن تواجه ضعفك وتُصارح العالم بِكذِبك، لذا خلقت هذا العالم لتُخفي فيه كله ذنوبك، لكن انظر، نحن في معقلك ونرى نقاط ضعفك بوضوح.
ابتعد الكائن عن مالك ومحمد ليقترب ببطء من نورالدين، فانتبه مالك الى يوسف وفيصل الواقفين في الخارج والى الحقيبة الجلدية التي يحملها الشيء فصرخ فيه: “أ تُحاول أن تقلد المعلم ياسر؟ أنت لن تصل لعُشر ما هو فيه، فهو قائدٌ حقيقي ، وهو الذي يستحق أن يصبح المدير لا أنت! عاد الكائن للالتفات نحوهما، فاستغل نورالدين انشغاله و أخذ البساط والحبل وقصه ليربط به طرفي البساط من جهة، و الطرفين الآخرين من الجهة الأخرى ليُكوّن شبكةً مُغلقة، ووضعها على الأرض حيث كان الشيء واقفًا قبل قليل ثم التفت نحو يوسف وقال: “قُل أي شيء لتستفزه، أريد الذهاب للجهة الأخرى لأربط الحبل بالمكتب والرفوف فادفع المكتب مع مالك ليَعلق في هذه الشبكة ثُم يتدلى عبر النافذة”، أومأ يوسف، فصرخ قائلًا: “يا أيها الشيء، انت لم تنجح لا كمدير و لا كأب، فابنك اسوء منك، ولربما يكون مصيرهُ كمصيرك إن لم يتغير، حقًا فرخُ البطِ عوام!”
أكمل يوسف كلامه بينما تقدم الشيء نحو الشبكة كما خطط نورالدين، فركض مسرعًا وبدء مع محمد ومالك بدفع المكتب الثقيل نحو النافذة المكسورة، لم يتحرك المكتب قيد أنملة فقال مالك: “فكروا بحقيبة المُعلم الصغيرة لكنها تحمل الكثير”، فتحرك المكتب، وواصلوا دفعه حتى تهاوى من فوق المبنى جارًا غُرابيون معه، فأصبح مُعلقًا لا يقوى على الحركة.
نظر الأصدقاء الى بعضهم واحتفلوا برقصات سخيفة بينما يتصبب العرق من جباههم وعيونهم. نظر نورالدين ناحية النافذة المكسورة قائلًا: “المدير يستعمل نافذته هناك لمراقبتنا، الآن، هو مُراقب من قِبل الجميع ولا يقوى على إخفاء شيء”. خرج الأصدقاء من المكتب وأحكم مُحمد اغلاق الباب من خلفه ثم توجهوا الى صفهم.
محمد: “ظننت أننا بمجرد الفوز عليه سنعود مباشرة؟”.
يوسف: “لأصدقك القول، أنا ظننت ذلك أيضًا”.
نورالدين: “يُمكننا الآن على الأقل البحث عن مخرج وبالُنا مرتاح”.
فيصل: “انظروا إنها الساعة الثانية إلا عشرا، تبقى خمس دقائق على نهاية اليوم المدرسي”.
نظر مالك نحو الباب الرئيسي عبر نافذة الصف وقفز يصرخ: “لنذهب للباب الآن، سنستطيع الخروج!”
نورالدين: “جربت الباب الرئيسي كان مقفلًا”.
ركض مالك نحو باب الصف وأشار إليهم بان يلحقوا به، فما كان منهم إلا أن نفذوا كلامه وبدأوا بالجري خلف مالك، شرح مالك فكرته بين أنفاسه المُتقطعة: “المدير شخص مزيف، إذًا كل ما فعله ليس حقيقيًا، إلا شيئًا واحدًا، الانصراف على الموعد الرسمي!”.
بدأت سرعة الأصدقاء تزداد بعدما فهموا سبب جريهم، ووصلوا الى بوابة المدرسة فدقت ساعة فيصل فقال: “أغلقوا أعينكم للحظ الجيد”.
حان وقت الانصراف
نسيمٌ دافئ، اشعةُ شمسٍ حارقة، وضحكاتٌ عالية، هذا ما دفع الأصدقاء الى فتِح اعينهم، ليتفاجؤوا بأنهم أمام البوابة المدرسية لكن في عالمهم الحقيقي! مرَّ عُمر بمحاذاتهم وضحك قائلًا: “أتدعوا بأن تفوز غدًا؟” ضحك نورالدين واجابه: “لا أصدق أنني اشتقت إليك”، رمقه عمر بنظرة استغراب ومضى في طريقه. ظل الأصدقاء واقفين غير مصدقين لما حصل، فمر بجانبهم المعلم ياسر فانتبه إليهم وقال: “لقد اتصل بي المشرف وأخبرني أنكم اليوم لم تحضروا أي حصة، حسابكم يوم الأحد سيكون عسيرًا، لكنهُ سيؤجل لأخر حصة، كون وزير التربية والتعليم سيحل ضيفًا في مدرستنا، واختاروا حصتي لتكون نموذجًا للحصة المثالية. ضحك الأصدقاء وشكروا المعلم مُرحبين جدًا بفكرة العقاب.
عاد الأصدقاء الى الصف ليحملوا حقائبهم لكن نورالدين أوقفهم بينما همّوا بالخروج.
نورالدين: “لنذهب لموقعنا فلدينا مهمة أخيرة لنفعلها”.
مالك: “أ أنت أيضًا فكرت بهذه الفكرة”.
محمد: “ما هي الفكرة أطلعانا عليها؟”.
نورالدين: “أُريد أن نبدل كرسي المدير بالكرسي المعلون، وأن نُدبر خطة لنكشفه “.
فيصل:” أنت تعلم أن ما ممرنا به يؤهلنا للمصحة العقلية، فمن هذا الذي سيُصدق؟”
تجاهل مالك فيصل: “هل هناك وقت أفضل من الاحد القادم عندما يزورنا الوزير وتُشارك في الانتخابات؟”
يُوسف: “أنه الوقت المثالي”.
فيصل:” هل حقًا تجاهلتموني؟”.
نورالدين:” تجاهلناك لأننا مصدومون بك، أنت من اختفى يومًا كاملًا هناك والآن تقول من سيُصدقنا؟”
مالك: “فيصل على حق، لماذا لا نجمع أدلة ملموسة على ما اكتشفناه، فوالدي لديه صديق والدهُ كان رئيس الجامعة التي يُفترض أن المدير حامد تخرّج منها، يُمكنني أن اسأل والدي عنه”.
يوسف: “وانا سأستعير كاميرا مُحمد لأُثبتها في مكتبه، وأواجه بحقيقة أنه تجاهل شكوى التنمر لأنها موجهة ضد ابنه”.
اتفق الأصدقاء على أدوارهم وعاد كل واحد فيهم الى منزله لينفذ ما خُطط له.
كانت مُهمة مالك هي عصب نجاح هذه الخطة، عاد الى منزله فسلّم على والديه، واقترب الى والده خصوصًا.
مالك: “أبي أتذكر والد صديقك رئيس الجامعة؟”.
الأب: “نعم رجل مهذب جدًا، لماذا تسأل عنه؟”.
مالك: “لأن مُديرنا تخرج من تلك الجامعة، وأحببت ان افاجئه برسالة صوتية من مُديره السابق، فهل يمكنك أن تشاركني رقم هاتفه؟”
الأب: “هذه فكرة عظيمة بُني، طبعًا”.
اتصل فيصل ليلًا بالمدير وتأكدت كل الشكوك، المُدير تذكر الحادِثة وكأنها حصلت البارحة، المُدير لم يَتخرج أساسًا، الرئيس السابق للجامعة كان رجلًا فاسدًا فرضى أن يبيع شهادة التخرج لحامد. عندما احست الوزارة بشكوك تجاه الرئيس السابق، تم فصله ومُحاسبته فورًا، لكن تعقب كل الطلاب والتأكد من شهاداتهم أمرًا أهملته الوزارة. حتى الرئيس الحالي لا يملك أدلةً ملموسة، لديه فقط ثقتهُ التامة بان الشهادة مزيفة لأنهُ كان يُدرس المدير حامد شخصيًا، وكان طالبًا كسولًا لا يلتزم بشيءٍ قط. حاول الرئيس الحالي مساعدة مالك، فأعطاه رقم أبن رئيس الجامعة السابق عله يساعده.
اتصل مالك بابن الرئيس السابق، وكان خائفًا من أن يكون نزقًا وحانقًا على ما حصل لوالده، لكنهُ حطم كل تلك التوقعات بأخلاقه. كان الرجل خجلًا مما فعله والده، وشارك فيصل سرًا خباءه حتى عن الشرطة، خوفًا من أن يكون عاقًا خائنًا لوالده، لكن كلام مالك عن المدير حامد حرّك فيه شيئًا، فطلب منه اسم مدرسته ليُحضر له الدليل الذي سيُثبت خداع المدير.
مرّت عُطلة نهاية الأسبوع المليئة بالتحقيق والبحث، لُيشرق صباح الحقيقة بعدها. اجتمع الأصدقاء في مكانهم المعتاد قبل الطابور الصباحي وتأكدوا أن المدير خارج مكتبه، تولى يوسف، نورالدين، وفيصل مهمة تبديل الكرسي وتثبيت الكاميرا لمهمة يوسف، بينما كان مالك يُراقب المدير استعدًا لعرقلته إن حاول العودة لمكتبه. سارت المهمة بسلاسة، واجتمع الأصدقاء في الطابور ليُنشدوا بحزم النشيد الوطني.
استأذن يوسف من معلم الرياضة بإن يذهب لدورة المياه، لكنه توجه الى مكتب المدير ولم ينتظر المساعد ليُدخله.
يوسف: “أتذكرني يا حضرة المدير، انا أحد الخمسة الذين جاءوك مظلومين لنحتمي بك، فإذا بك تحمي الظالم لأنه ابنك!”.
وقف المدير مُستشيطًا: “من أدخلك الى هنا يا هذا؟”.
يُوسف: “دخلت بنفسي وسأخرج بنفسي، لكنني أريد أن أُفرغ ما بجعبتي أولًا، أنت من المفترض أن تكون المثال الأول لأولاد بعمرنا عن العدل، لكنك بسلطتك تحمي المخطئ من افراد عائلتك وتترك المظلوم لأنه غريب عنك”.
المدير: “أنا أُعلمكم الحياة الحقيقة، فقصص الخيال والنهايات الملحمية البطولية ليست واردة الحصول في حياتنا”.
ابتعد المدير عن مكتبه واتجه نحو يوسف ليُنزل على خدِه صفعةً تركت ورائها دمعةً واحدة، ثم سحبه خارجًا لكن يوسف قاوم قليلًا ليتسنى له أخذ الكاميرا من غير ان ينتبه له المدير، فنجح. طرد المدير يوسف، وصرخ بمساعده بأن يفصله لأسبوع، يوسف لم يهمه الأمر، وتوجه مباشرةً نحو صفه.
اجتمع الأصدقاء في الصف وروى يوسف ما حصل له، فحاولوا مواساته بأن الحق سينتصر وسيُرد له اعتباره وزيادة. دخل المعلم ياسر على عجل وبدء بتجهز صفه بينما يقول: “حسنًا سنبدأ بالحصة الأصلية، وعندما ننتهي سيقوم كل من عمر ونورالدين ليقولا كلمتهما قبل التصويت، كونوا مهذبين ومتفاعلين وأضمن لكم إن سارت هذه الحصة بمثالية سنذهب الى مدينة الملاهي كرحلة مدرسية، هتف الطلاب بحماس ثم عمّ الصمت عندما تحركت قبضة الباب.
دخل الوزير ومعه مساعده بالإضافة الى المدير حامد، جلس الثلاثة في نهاية الصف وبدأت الحصة كما خُطِط لها. تفاعل الطلاب بحماس، وسارت الحصة بسلاسة، حتى حان موعد كلمة المُتنافسيَن لرئاسة الفصل.
المُعلم ياسر: “حرصًا من المدرسة على تعليم الطلاب أهم الأهداف السامية للسياسة والمشاركة فيها، تم تنظيم سباق رئاسي لتحديد من سيكون مُساعدي ورئيس الفصل، ارجوا من المرشحين عمر ونورالدين التقدم للسبورة وليبدأ عمر بكلمته”.
كانت كلمة عمر مليئة بالشعارات الحماسية والوعود التي تبدو للوهلة الأولى بأنها الحل لكل شيء، لكنها افتقرت للحلول الملموسة والخطط القابلة للتنفيذ، شجعه الفصل بالتصفيق بل حتى إن المدير وقف ليصفق له، بعد سطور المدح التي طالته منه. ابتسم نورالدين مُحدقًا في المدير، ثم ترجل عن كرسيه ليقف تحت بقعة الضوء امام السبورة.
“أعزاءي الطلبة، مُعلمي العزيز، وحضرة الوزير، كما قال مُعلمنا هذه تجربة مُصغرة لا تقترب ولو قليلًا من الحياة الواقعية، لكن هذا لا يعني ألا نوليها الكثير من الأهمية. فمثلًا، نحن نعلم أن مدرستنا تمر بضائقة مالية حتمت علينا الصلاة في مُصلى مُدمر، وطبعًا لا نستطيع أن نطالب بإصلاحه؛ لذا اقترح بإن نجمع مبلغًا رمزيًا من كل طالب ونشتري بأنفسنا السجاد والطلاء لنُحييه مجددًا، ففي النهاية هذه مدرستنا وتستحق أن نتعب لها، وأيُ تغيير نحتاجه، كقائد، سأكون اليد التي تبدأ وأنتم تُساعدوني، وكما قال لنا أستاذٌ حكيم: نحنُ نحمل في داخلنا ما هو أكبر منا”، للوهلة الأولى، لم افهم ما كان يقصد، لكن حكمته تلك أنقذتني حرفيًا من الموت. ختامًا، لا يسمو مكان إن كان رأسها فاسدًا، لذا ادعو صديقي فيصل وصديقي يوسف لقول بعض الكلمات في هذا السياق.
وقف فيصل فتبِعهُ يوسف، بدأ فيصل بتشغيل التسجيل الهاتفي بينه وبين رئيس الجامعة والأبن للرئيس السابق، كان وجه الوزير لا يُفسر، كأن صاعقةً ضربته فلا يقوى على الحركة، فلم يُقاطعهم، ليُكمل يوسف فيعرض الفيديو الذي ضُرِب وأُهين فيه، فوثب المعلم ياسر من كرسيه مُتجهًا بخطوات ملئُها الغضب ليصرخ فيه: “أ تضرب أطفالًا! أأنت مجنون؟” ركض يوسف نحو معلمه ليهدئه قائلًا: “صدقني القادم سيُبرد على قلبك أكثر من الصُراخ، هدأ المعلم في صدمة، فدق أحدهم باب الصف ولم يكن غير ابن الرئيس السابق وضابط شرطة.
اعترف الابن بأن والده احتفظ بكل الأوراق (الشيكات) التي صرفها في مقابل توثيق الشهادات المزيفة، وقد اعترف الأبن بكل شيء للشرطة ومُسلمًا الأدلة. تولى ضابط الشرطة أمر المدير وظل الصف في حيرةٍ من امرهم مما حصل، أما الوزير، فلم يتحرك فيه إلا صدره الذي يصعدُ شهيقًا وينزلُ زفيرًا.
عاد المعلم ياسر لموقعه محاولًا تدارك الموقف: “لم اخطط للحصة بإن تنتهي بهذا الشكل، سعادة الوزير اعذرنا فقد بالغ الطلاب بأفعالهم، وستتم محاسبتهم، رغم شجاعة ما فعلوه”.
ضحِك الوزير ثم وقف ليُصفق دقيقةً كاملة خاتمًا تصفيقه بعدة كلمات: “خمس عشرةَ سنة وأنا وزير،ولم أحضر حصةً كهذهِ، هؤلاء الطلاب يجب أن يُكرّموا، عن أي عقاب تتحدث؟ لقد أمسكوا مجرمًا بأنفسهم، مُجرمًا لم نكن لنعلم بوجوده أنا وأنت، البالغون!”.
ابتسم الأصدقاء لبعضهم البعض ثم وجهوا انظارهم نحو معلمهم فضحك في عدم تصديق، عاد المعلم ليواجه بقية الطلاب قائلًا: “من هنا سيصوت لنورالدين؟” رفع جميع الطلاب أيديهم بما فيهم عمر والوزير، نظر نورالدين حوله فرأى أصدقائه رافعين أيديهم أيضًا والمعلم ياسر.
رن الجرس، وكأن ما حصل نسمة في مهب الريح، تسابق الطلاب للخروج من الصف، وشكر الوزير المُعلم ياسر على الحصة التي لن ينساها ابدًا، لكنه استأذنه حتى يتدارك مُشكلة المدير حامد.
وضّب الأصدقاء الخمسة اغراضهم استعدادًا للذهاب، لكن المُعلم أوقفهم بكلمة واحدة: “الكرسي؟”.
نظر الأصدقاء برعب نحو بعضهم البعض، فبادر محمد بالضحك: “اعذرني يا معلمي، كان ذلك مقلبًا تحداني بعض الزملاء بإن أفعله، صدقني لن تتكرر”. ضحِك المُعلم، فأسرع الباقون بالخروج.
جلس المعلم وحيدًا في الصف وابتسامة فخر على محياه: “لقد فعلوا ما لم أستطع فعله، امسكوا به”.
فُصِل عمار النمر وتم تحويله لمدرسة خاصة. تم الحكم على المدير حامد بالسجن للتزوير، والغرامة على ابن الرئيس السابق كونه تستر على دليلٍ مهم.
قضى الأصدقاء الخمسة أفضل ثلاث سنوات في مدرستهم الحالية، والحماس يملئوهم للمرحلة الجديدة.
النهاية
كانت هذهِ مُحاولة السنة الفائتة للمُشاركة في المُسابقة، لربما لم أُقدمها لخيرة التعلم. لربما تتساءل قارئي العزيز، هل نجحت في التقديم هذهِ السنة، و مع الأسف أقول لا، لذا سأشارككم القصة ليتم تقييمها -مع هذهِ- من قبلكم، حتى يتسنى لي المُشاركة في السنة القادمة بذخيرة من نقدكم البناء.