
مرحبًا يا أعزاءي.
تدوينة اليوم عزيزة على قلبي، وأتمنى أنَّ حماسي وصل إليكم عبر الشاشة ذات الإضاءة الزرقاء.
سأبدأ سلسلة أُسميها (مُراجعة المخرجات العلمية حتى لا تصبح ذكريات منسية)، فليس من السهل المُحافظة على الشيء بلا صيانة، فكل معلومة قرأتها، وخصوصًا التي لم أُمتحن بها تحت ضغط أكاديمي مثل الدورات، قد تتفلت بلا مُتابعة، وأيَضًا أُريدُ بها أن تكون وقفة تأمل لِما أغفلت، وهل للآن أُطبق ما تعلمت؛ لأن هذهِ هي الغاية العُظمى من العِلم.
الأدب يستر قليل العلم، والعلم لا يستر قليل الأدب، وفقدُهما عراء وجمعُهما ثراء
خيرُ ما أبدأ به، شهادتي العلمية الكُبرى-حتى الآن- البكالوريوس في الصيدلة.
بدأت دراسة الصيدلة في سبتمبر عام 2017 إلى يونيو 2022، بلا “تشات جي بي تي”، وهذهِ معلومة تستحق الذكر، لأنني كما قرأت، ستكون هذهِ القصة مُساويةً في العظمة لقصص أباءنا بالمشي عشرات الكيلومترات للوصول للمدرسة.
ستكون هذه الشهادة الوحيدة التي تحتاج الى ثلاث أجزاء-فقط لكيلا تمَّل من القراءة- فهذهِ الشهادة أخذت حوالي خمس سنين حتى أنهيها، فليست كغيرها. أشعر بأنني مُلزمة بالتنويه أن هذه التدوينة ستصف الرحلة، رؤوس الأقلام، ونصائح عامة، لكنها لن تجعلك صيدلانيًا-تحتاج الى رخصة للمزاولة- فلا تُطبِب نفسك وتلُمني. أُفضِّل أن تُقرأ هذهِ التدوينة بنيّةِ الاطلاع أو لربما أنت تُفكر في دراسة هذا التخصص وتحتاج الى رأي صادق-بلا فلاتر وردية- يُساعدك في اتخاذ القرار. لذا مهما كانت نيتك-السليمة- استمتع بما اتذكره من رحلتي تلك، وشُكرًا لإعطائي فُرصة العودة لمُلاحظاتي القديمة للمُراجعة.
لسهولة تنقلك بين الأجزاء:
- الجزء الأول: التخصص بشكل عام، لماذا اخترته، مجالات العمل التي أعرفها، كيف تبدو حياتي اليوم؟
- الجزء الثاني: الغوص في المواد العلمية، كيف درست لأصل لمُعدلي؟
- الجزء الثالث: ما لا تُعلمّه الكُتب عن الصيدلة، هل الصيدلي بياع؟، مؤامرات شركات الأدوية.
لربما، أكتبُ جزءًا رابعًا يكونُ مُقابلات مع خريجي الصيدلة، ماذا يعملون حاليًا، وكيف تغيرت حياتهم بعد التخرج.
بماذا كُنت أفكر عند اختياري لهذا التخصص؟
السؤال الصحيح دائمًا، فعندما تُريد رأي أحدهم في شيء، لا تسمع الرأي قبل أن تعرف ما الذي تبادر الى ذهنهم عند بناءه. تخرجت من المرحلة الثانوية بمعدل 95 بالمئة، لستُ الأولى، ولستُ الأخيرة، كما أُحب، في الوسط. كانت طموحي لأَصدُقك القول قارئي العزيز هو الطب، كُنت أحب مادة الأحياء، ذاكرتي ولله الحمد جيدة كفاية للاستذكار، وأنا ممتازة تحت الضغط-مُحترفة تسويف- لكن شاءت الأقدار-وأبي- بإن الموضوع لم يَتسهل، فكان الخيار الثالث من قائمة الخيارات للبعثات والمنح هي الصيدلة. هُنا، في مملكة البحرين، أيُ طالب يصل معدله للتسعين فما فوق يستحق إما منحة (90-94) أو بعثة (95-99)، لذا الخيارين الأولين كانيا الطب في جامعة الخليج والإيرلندية، اللتين لم أُعوّل عليهما للحظة واحدة، فهُنالك بالطبع من نالوا المُعدلات العالية وهم الأولى، فالهدف التالي كان الدراسة خارج البحرين في إحدى الدولتين (العراق حيثُ عائلة أمي والأردن حيثُ عائلة أبي).
ظهرت النتائج وقُبِلت لبعثة كاملة في تخصص الكيمياء، لكنني حولتها لمنحة الصيدلة. الصيدلة في عقلي، في ذلك الوقت، كانت أقرب العلوم الطبية للطب، وأيضًا هذا التخصص هو أوسعهم. لم اختاره بناءً على شغف، بل أريحية، كان التخصص مُتكاملًا-و لا يزال في نظري- فمع هذه الشهادة سيكون لي مهنة أمتهنها، بينما أسعى بخطوات موزونة نحو شغفي الأساسي: الكِتابة.
قد يسأل سائل، أليس دراسة الشغف الطريق القويم، لأن الإنسان سيُبدع فيه، وهل أنا من قديمي الطراز الذين يؤمنون أنه إن كان معدلك عالٍ “فمالك غير الطب والصيدلة”؟
نعم، دراسة ما تُحب يخلق الإبداع، يُسهل الطريق وإن كان صعبًا، لأن ما يُحركك أعمق من مُجرد النجاح والدرجات، يُحرك دافع لا يمتلكه أقرانك. لكن، إن كُنت برغماتيًا، وتُفكر بسوق العمل قبل رغباتك، فأُبشرك، الكُل يتساوى، والرِزقُ نصيب، مع رشة واسطة. إجابتي عن السؤال، شخصيًا، هذهِ أنا، لطالما كُنت هكذا، أُحب قراءة الأدب والاستمتاع به، بينما أُقدم امتحانات في الفيزياء و الكيمياء، وأرى أنَّ أرقى صور الكاتب هو من له في عدة علوم، فله عدة نوافذ في علقه يُخرج رأسه منها باحثًا عن الأفكار. سببٌ آخر أبعدني عن تخصص أقرب للكُتاب مثل اللغة العربية، الملل، قُلت في نفسي، لربما إن درستُ ما أُحب، كثرة التعلم والامتحانات وربط قيمة عملي وإبداعي بالدرجات قد تطفئ قلبي، فأخسر شغفي، وطبعًا قد لا تكون هذهِ القضية للآخرين، أنا فقط أشارك ما جال في خاطري عند التقديم.
هل الدرجات تؤثر في اختيار التخصص؟
نعم. لكن الذكاء، لا.
وصلت لمرحلة لا أُجادل فيها من يعتقد أن الدرجات المثالية دليلُ الذكاء، نعم الذكي يستفيد من ذكاءه فيحصد الدرجات، لكن ليس كُلُ من تدنت درجاته غبيًا، إن كان لي أيُ مصداقيةً لديك قارئي العزيز فصدقني حين أقول كمية حملة الشهادات العُليا والأوائل الذين جلستُ معهم فدعيتُ الله أن تكون ساعتي معهم هي ساعتي الأخيرة.
لكن، الدرجات تقيسُ شيئًا مُهمًا جدًا وقابلًا للتحقيق، ألا وهو: الاجتهاد. الدراسة التقليدية تقيس مدى التزامك بالوقت المُعطى لِحفظ وفهم المادة المُعطاة، وفي الصيدلة هذا مُهم أكثر من الذكاء نفسه. أن تكون لديك تلك المُثابرة والنفس الطويلة للتكرار حتى تحفظ ليس فقط للامتحان، بل للوظيفة نفسها، فأنت لا تُختبر فقط، أنت ستكون مسؤول عن مريض قد لا يقرأ ولا يكتب، فكيف لِمُهمل أن يُعطى هكذا مسؤولية؟
كصيدلانية حقيقة، نحن لا نتذكر كل المواد التي درسناها، لكن نذكر أين نذهب مباشرة إن أردنا استرجاع معلومة نحتاجها، نحن مُطلعون، وتُوجب عليك هذهِ الوظيفة أن تقرأ، لا للمطالعة فحسب، بل للتحديث المستمر.
الصيدلة، جامعة البحرين، كُلية العلوم الصحية والرياضية
إن طُلِب مني رسم لوحة كبيرة أصف فيها التخصص فسأقول: قطرة من كل مُحيط، وهذا ما أُحب. لا أتذكر أننا غطسنا لأغوار إحدى المواد أكثر من غيرها، وكأن التخصص وضِع ليفتح عيني الصيدلي فيختار ما يُريد السباحة فيه لاحقًا. نظام الدراسة في المملكة ممتازٌ في رأيي، فهو يلتزم بالساعات لا بالسنوات، هُنالك حد أدنى وأعلى لكمية الساعات لكل فصل. تسجيل المواد يكون باختيار الطالب، لكن هناك خطة لسير المواد-ليست إلزامية- لكن عن تجربة، الأفضل لك هو أن تُسايرها. مُقارنةً بالكليات الأخرى، اختيار الصفوف والمُدرسين محدود، طول مسيرتي التعليمية مررت على ستة أو سبعة مُدرسين، الغالب منهم يُدرس أكثر من مادة، لم يؤثر هذا في الجودة، فمُعظمهم أدوا بامتياز. الكُلية صغيرة المساحة مُقارنة بالصرح العظيم في الصخير، لكننا يجب أن نكون بالقرب من المستشفيات، حتى يكون التدريب الميداني سهل الوصول-خصوصًا لطلبة المختبرات والتمريض- لم أمانع الحجم، لكن البحث عن موقف للسيارة، حرب أعصاب يومية.
يجب أن أنوّه، أن تخصص الصيدلة عندما دخلته كان جديدًا نسبيًا، فلربما فقط دفعتان تخرجتا قبلنا، لذا أكاد أجزم أن الكثير تطور وتحسن منذ تخرجي، وأتمنى لو يشمل هذا التطور ما أسمعه من خريجي الصيدلة من دول أخرى-الأردن، السودان ومصر- فلديهم حصص مُختبر شاملة وممتعة، من تشريح الضفادع، العمل الميداني في المصانع، وتجارب كيميائية مُمتعة، أذكر أن حياتي المٌختبرية، Simple syrup و Coca based suppository . وحتى يكتمل أساك عليّ قارئي العزيز، فكان عندنا مادة مُختبرية بحتة في السنة الثالثة لكن “كورونا” كان لها رأي آخر.
كل “الميمز” عن الدراسة والامتحانات المُتواصلة في هذا التخصص حقيقية، لا اذكر أسبوعًا لم يكن لدي فيه “كويز”-لربما الأسبوع التعريفي فقط، وحتى في هذا قدمنا قبله اختبار قُدرات ومُقابلة-، لكنها عامة لكل التخصصات. الدراسة ثقيلة كما يُشاع والحفظ كثير، لكنه ليس تعجيزيًا. قد أُناقض نفسي عندما أقول هذا، لكن إن أحببت الشيء سيكون عسلًا لمرارة الحياة وإن كان يرميك تعبًا في نهاية اليوم، فحتى لو لم أحب التخصص حصرًا، أُحب الدراسة بشكل عام، واستمعت حقًا بدراسة التخصص، لكن حُبي لم يمتد للعمل.
ماذا سأعمل بعد التخرج؟
صيدلاني، وليس صيدلية.
عند التخرج لا تفرح كثيرًا، فورائك يقف امتحان الرخصة الطبيبة الذي يُتوقع منك تذكر كل ما درسته في السنوات الخمس الفائتة، نعم هو أقل وطأةً من “OSCE” الذي وباختصار شديد، الشامل الكامل لتحديد إن كُنت جاهزًا لتكون صيدلانيًا أم لا.
المجالات الوظيفية التي لي علمٌ بها: الصيدلي العادي ( سواءً الذي تراه في صيدلية حيك ،مركزك الصحي، و المستشفيات)، المندوب الطبي ( هو من يُروج لأجدد الأدوية التي تصنعها الشركات الدوائية، يهتم بالدعاية و تثقيف الأطباء)، هيئة الدواء الوطنية ( حيثُ الرقابة على الصيادلة بشكل عام من تفتيش و تجديد، الرقابة على دخول الدواء للبلاد، الجودة للتصنيع، المنازعات مثل الأخطاء الطبية و ما يترتب عليها ،و العديد من الأقسام)، الصيدلي “الإكلينيكي” ( هذا مُنقذ الأطباء، يُتابع الجرعات و استجابة المريض و يُقدم أفضل الخطط الدوائية)، و الصيدلي المُصنّع للدواء في المُختبرات. بالطبع لدينا مجال واسع في التعليم، الإدارة، التسويق، والتأمينات الطبية، الصيدلي حقًا يستطيع القيام بأي شيء.
كاتِبتكم هُنا صيدلانية في مستشفى، تطمح للتحول الى السلك الإداري، فحاليًا أدرس علوم الموارد البشرية لأقترب من هذا الطموح. وهُنا يكمن الجمال في هذا التخصص.
كيف تبدو حياتي اليوم؟
بعد ثلاث سنوات كاملة، السنة الفائتة قررت البدء في رحلة “الماجستير”، لماذا؟ لأنني مللت الصيدلة.
هُنا العاقبة الأولى لعدم دراستك شغفك، مللت “الروتين” وتكرار الكلام نفسه بشكل يومي، أنا إنسانة تُحب حل المشكلات، والتدخل الفعال في القرارات لتسهيل حياة الأفراد، لطالما أحببت القيادة، ليس لفرض نفسي، بل لصناعة المثالية. برأيي، المثالية لن تقترب من الفرد فرسخًا واحدا، لكن من الجماعة فهي تجري كالعطشان للماء. نعم أستطيع المواصلة في الصيدلة حتى أُصبح “Senior” وبهذا أُصبح القائد تلقائيًا، لكن لم تُبهرني هذهِ أيضًا، لربما يكون قلة صبر الشباب، لكن لن يخسر الإنسان إن كان هدفهُ العلم والتطور، ربما صيدلي بمعرفة علمية بالموارد البشرية والأعمال، يُفيد أكثر من تكرار عين الأفعال لسنينٍ طِوال.
هذا جانب من حياتي، والجانب الآخر هو هُنا. أنا أُمارس الكتابة بجدية، وآخذ الوقت بتعلم اللغة العربية وآدابها. أعيش الحياة بتفاصيلها، أقرأ، وأتأمل لأجد المعنى. رغم محاولتي الفعالة لتغيير المسار، ستبقى مهنتي كصيدلانية حاضرة فيي، كُل مريض نصحته بشيء، بالنسبة لي بسيط، لكنه جديد على المريض فيُغدقني بالدُعاء والشُكر، كُل مُجاملة غير متوقعة ترفع من معنوياتي، وحتى المواقف السلبية أصبحت ذكرى مُضحكة يستمتع بها الآخرون معي عند روايتها. زُملاء العمل، الذين أمسى بعضٌ منهم علاقات سأصونها حتى بعد الرحيل، تعلمت منهم أكثر مما يتوقعون، وأي ضِحكة كوِّنت بسببهم، فاجعلها يا الله شفيعًا لهم.
يُتبع.